أهمية التعاون بين كافة مؤسسات المجتمع في غرس ثقافة شكر النعم وحفظها

0 0

السؤال

نرجو بيان أهمية التكامل بين الأسرة والمدرسة ووسائل التواصل الموجهة في سبيل ترسيخ ثقافة شكر النعم، وتوعية أفراد المجتمع بالاستخدام الأمثل لها بما يسهم في المحافظة عليها واستدامتها.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فشكر النعم، والاستخدام الأمثل لها، ليس مجرد سلوك فردي أو خلق عابر، بل هو منهج حياة، وقاعدة إيمانية وحضارية تضمن استدامة النعم، ودوام البركة.

وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى النظرة المفضية للقناعة وشكر النعمة، فقال: انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم. رواه مسلم.

وقد جعل الإسلام الشكر حقيقة عملية تشمل القلب واللسان والجوارح، كما قال تعالى: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد [سورة إبراهيم: 7].

وفي عصرنا الحاضر، مع اتساع انفتاح العالم، وتزايد ثقافة الاستهلاك والمباهاة، تبرز أهمية التكامل والتناغم بين الأسرة والمدرسة ووسائل التواصل الموجهة؛ لبناء جيل واع، يستشعر قيمة النعم، ويحسن التعامل معها.

والأسرة هي المحضن الأول، ودورها غرس القناعة، والقدوة العملية؛ فرؤية الأبناء للوالدين وهما يقتصدان في المأكل والمشرب والكهرباء والماء، ويبتعدان عن الإسراف والتبذير، تورث النشء تعظيم النعمة عمليا؛ امتثالا لقول الله تعالى: وكلوا وٱشربوا ولا تسرفوٓا إنهۥ لا يحب ٱلمسرفين [سورة الأعراف: 31].

وكذلك تقوم الأسرة بالربط العقدي بالمنعم؛ فتذكر الأبناء دوما بأن ما بين أيديهم من نعم الصحة والأمن والمال هي فضل وابتلاء من الله، كما قال تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله [النحل: 53].

وكذلك تقوم بالتوجيه نحو الإنفاق والصدقة، وتدريب النشء على شكر النعمة بمواساة المحتاجين، ومشاركتهم الفضل؛ لأن زكاة النعمة وبقاءها يكونان ببذل المعروف.

وتأتي المدرسة لتؤطر ما تعلمه الطفل في البيت ضمن قالب علمي وتربوي ومنظم. ودورها هو التأصيل المعرفي، والترشيد السلوكي والأخلاقي، وترسيخ المفاهيم القرآنية والنبوية في المناهج، وبيان أن كفران النعم والإسراف فيها سبب لزوالها وتبدلها، لقوله تعالى: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد [سورة إبراهيم: 7].

كما أن المدرسة تحقق الأنشطة الميدانية التطبيقية التي تغرس سلوكيات الاستهلاك الرشيد في البيئة المدرسية، من خلال: (المحافظة على المرافق، تقليل الهدر الغذائي، تدوير الموارد، ترشيد استهلاك المياه والطاقة).

وتعزز المدرسة المسؤولية الاجتماعية لدى الطلاب، عن طريق تدريبهم على أن حفظ النعم واجب ديني ومجتمعي ووطني.

وأما وسائل التواصل، فهي الأكثر تأثيرا في صياغة اهتمامات الناشئة والشباب اليوم، ودورها صناعة محتوى رقمي جاذب، وإنتاج مواد مرئية وقصص توعوية تبرز قيمة النعم التي قد يعتادها الإنسان (كنعمة العافية، والأمن، والغذاء، والماء) لتجديد استشعار فضلها.

كما يمكن استثمار منصات التواصل الاجتماعي في الحملات التفاعلية، عن طريق إطلاق مبادئ وحملات إلكترونية للحد من الهدر، ونشر قصص النجاح والمبادرات الإيجابية في حفظ النعم.

وغياب إحدى هذه المنظومات، أو تناقض رسائلها، يحدث خللا لدى الفرد؛ فإذا كانت الأسرة تحث على الاعتدال، بينما تعرض الشاشات ثقافة التبذير والمباهاة دون توجيه، أو كانت المدرسة تنظر للقيمة بنظرية مجردة، فإن الأثر يضعف.

ومن هنا تبرز ثمرة التكامل بين هذه المحاور الثلاثة في حماية النشء من التناقض، فعندما يسمع الطفل التوجيه القرآني بشكر النعمة في مدرسته، ويراه ممارسا في بيته، ثم يرى دعمه عبر المحتوى الرقمي الموجه، تتشكل لديه منظومة قيمية صلبة تحميه من السقوط في الإسراف أو البطر.

كما أن هذا التكامل يواجه التحديات المعاصرة؛ كالنزعة الاستهلاكية المفرطة، والتأثر بالصور المزيفة التي تدعو للسخط وعدم الرضا.

ولا شك أن التكامل المؤسسي، وتضافر جهود الأسرة والمدرسة والإعلام الواعي؛ يضمن تحويل الشكر من مجرد خاطرة فردية إلى ثقافة مجتمعية دائمة، وهو السد المنيع لبناء مجتمع مقتنع، شاكر لربه، يحسن إدارة نعمه واستغلالها فيما ينفع البلاد والعباد.

ولمزيد فائدة انظر الفتويين: 167723، 73552.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات