تفسير قوله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا...)

0 0

السؤال

قال الله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا﴾ [النساء: 140]، هل يمكن تفسير الآية بالتفصيل، وبيان صور الكفر والاستهزاء المقصودة فيها؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فمعنى الآية: أن الله تعالى قد نزل لكم فيما أنزل عليكم حكمه الشرعي عند حضور مجالس الكفر والمعاصي: أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها [النساء: 140]، أي: يستهان بها، فلا تقعدوا معهم.

والمراد بما نزل قبل هذا هو قوله تعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره [الأنعام: 68].

والمراد بالكفر بآيات الله: جحودها وتكذيبها، والمراد بالاستهزاء بها: احتقارها، ومنتهى هذا النهي عن القعود معهم: حتى يخوضوا في حديث غيره [الأنعام: 68]، أي: غير الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.

فإن قعدتم معهم مع كفرهم بآيات الله تعالى، وخوضهم في الحق الذي أنزله، {إنكم إذا مثلهم}؛ لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعل لها.

وقوله تعالى: إن الله جامع المنافقين [النساء: 140]، الذين يظهرون غير ما يبطنون، {والكافرين في جهنم جميعا} للعذاب.

ويؤخذ من هذا أن السامع شريك للقائل؛ ما لم يرد عليه؛ فإن لم يستطع؛ فليفارق مجلسه من فوره.

والمقصود بالجلوس المنهي عنه في هذه الآية هو: جلوس المقر، والمداهن لمن يكفر بآيات الله ويستهزئ بها، أما من جلس ليرد ذلك، أو ليقف على أخبار هؤلاء، ومن ثم يحذرهم، ويحذر منهم، ويكشف زيغهم وضلالهم؛ فإن مثل هذا يعتبر منافحا عن دين الله عز وجل.

قال الإمام القرطبي عند تفسير هذه الآية: (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره) أي: غير الكفر (إنكم إذا مثلهم)، فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله عز وجل: (إنكم إذا مثلهم). فكل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم، يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية، وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم؛ فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. اهـ.

وقال ابن كثير -رحمه الله-: وقوله: (وقد نزل عليكم في الكتاب...) أي: إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزئ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك؛ فقد شاركتموهم في الذي هم فيه. انتهى.

وقد اختلف في معنى المماثلة، فقال الجصاص في تفسيره: وقوله: إنكم إذا مثلهم ـ قد قيل فيه وجهان:

أحدهما: في العصيان، وإن لم تبلغ معصيتهم منزلة الكفر.

والثاني: أنكم مثلهم في الرضا بحالهم في ظاهر أمركم، والرضا بالكفر، والاستهزاء بآيات الله تعالى، كفر، ولكن من قعد معهم ساخطا لتلك الحال منهم لم يكفر، وإن كان غير موسع عليه في القعود معهم. اهـ.

وقال النسفي: {إنكم إذا مثلهم} أي: في الوزر، إذا مكثتم معهم، ولم يرد به التمثيل من كل وجه؛ فإن خوض المنافقين فيه كفر، ومكث هؤلاء معهم، معصية. اهـ.

وفي زاد المسير لابن الجوزي: وفي ماذا تقع المماثلة؟ فيه قولان:

أحدهما: في العصيان.

والثاني: في الرضا بحالهم؛ لأن مجالس الكافر غير كافر. اهـ.

قال الطاهر بن عاشور -رحمه الله- في تفسيره: والظاهر أن فريقا من المؤمنين كانوا يجلسون هذه المجالس فلا يقدمون على تغيير هذا، ولا يقومون عنهم تقية لهم؛ فنهوا عن ذلك، وهذه المماثلة لهم خارجة مخرج التغليظ والتهديد والتخويف، ولا يصير المؤمن منافقا بجلوسه إلى المنافقين، وأريد المماثلة في المعصية، لا في مقدارها، أي أنكم تصيرون مثلهم في التلبس بالمعاصي. انتهى.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات