السؤال
أثناء قيادة السيارة مع والدي يكثر علي جدا من النصائح والانتقادات بشكل متكرر جدا، وهذا يجعلني أغضب غضبا شديدا، وأنفعل أحيانا بالكلام، وعندما أذهب معه في سيارته يحدث نفس الأمر، فهو يكرر الكلام كثيرا؛ مما يجعلني أغضب دون أن أشعر.
أنا لا أريد العقوق وأخاف منه، وإذا احتاج إلي فسأقضي ما يحتاجه بنفسي دون أن أذهب معه، ولكنه أحيانا يطلب مني أن أذهب معه كي يتسلى، ولكنه يكثر جدا من كلام لا أتحمله فأنفعل، ثم أقول كلاما أندم عليه، فهل في تركي للذهاب معه إثم وعقوق. وإن لم يكن إثما، فهل لي أن أصارحه بذلك؟
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلا يخفى ما جعل الشرع للوالدين من مكانة عظيمة؛ فقد قرن الله سبحانه وتعالى الإحسان إليهما بتوحيده، فقال تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما [الإسراء: 23].
ومجرد الغضب الداخلي لا مؤاخذة عليه؛ إن لم يترتب عليه شيء من الانفعال على الوالد، ورفع الصوت عليه، أو مجادلته بكلام حاد؛ فهذا من العقوق المحرم، وهو من كبائر الذنوب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا؟ قالوا: بلى -يا رسول الله-، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين...
ومهما أساء الوالد، فليس من حق ولده أن يسيء إليه، ولو بأدنى إساءة، بل يجب عليه بره، والإحسان إليه رغم إساءته.
والأفضل والأكمل والأعظم أجرا هو ذهابك مع والدك، كلما أمكنك ذلك، مع مجاهدة النفس، وتوطينها على الصبر على ما يصدر منه من كثرة الملاحظات والنقد، بل يجب عليك طاعته والذهاب معه ما دام له مصلحة في ذهابك معه، فاذهب معه، ولو كان في ذلك مشقة على نفسك، ولم تخش ضررا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية، وإن كانا فاسقين، وهو ظاهر إطلاق أحمد، وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر، فإن شق عليه، ولم يضره، وجب، وإلا فلا. انتهى.
وإذا غلب على ظنك أن مرافقتك له ستؤدي حتما إلى غضبك عليه، ووقوعك في التلفظ بما يسخط الله، ويؤذي الوالد؛ فليس في عدم الخروج معه إثم أو عقوق؛ لما ذكرنا من عدم وجوب الطاعة عند الضرر، وفي الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ضرر، ولا ضرار.
ولكن عليك أن تعتذر له بأدب وأسلوب جميل يقبله، مع تجنب الخطاب الجافي الذي لا يليق بمقام الوالد.
واعمل على اجتناب المصارحة المباشرة، وتحدث معه بكلام غير مباشر، كأن تخبره بأنك تخشى التوتر أثناء القيادة، وعدم التركيز على الطريق؛ فيقع الضرر عليك وعليه؛ فيفهم مرادك برفق دون أن يشعر بشيء من الإهانة، وبعدها إما أن يعذرك في عدم خروجك معه، وإما أن يترك كثرة الكلام والانتقاد أثناء خروجك معه؛ فيصلح الحال، ويزول الإشكال.
والله أعلم.