السؤال
أعيش في دولة غربية، وتوجد بالقرب مني عدة مساجد. والمسجد الأقرب إلى بيتي يتناوب على الإمامة فيه أشخاص غير عرب؛ بعضهم يقرأ قراءة صحيحة، وبعضهم ألاحظ في قراءته إبدال بعض الحروف، مثل نطق الطاء ضادا في كلمة الصراط في الفاتحة، مع صحة الحركات فيما أسمع. ولا أظن أن هذا الإبدال يؤثر في المعنى، ولا أعلم هل يؤثر في صحة الصلاة.
أما المسجد الآخر فأبعد، ويحتاج الوصول إليه إلى أكثر من ربع ساعة مشيا، وقد يشق علي الذهاب إليه، خصوصا في الشتاء والمطر وصلاة الفجر، وقد لا أدرك الجماعة فيه أحيانا، بينما أستطيع إدراكها في المسجد الأقرب. وأنوي التحدث مع القائمين على المسجد بشأن القراءة.
فما حكم صلاتي خلف من يبدل بعض الحروف على النحو المذكور؟ وهل أستمر في الصلاة في المسجد الأقرب، أم أذهب إلى الأبعد؟ وإذا تعذر علي إدراك الجماعة فيه، فهل أصلي في البيت مع زوجتي؟ وهل تلزمني إعادة الصلوات السابقة التي صليتها خلف من وقع منه هذا الإبدال؟
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فهؤلاء الأئمة غير العرب الذين يبدلون بعض الحروف، مثل نطق الطاء ضادا في كلمة الصراط في الفاتحة، بسبب العجمة؛ يدخلون في من يلحن في الفاتحة، وفيه خلاف هل يبطل الصلاة مطلقا، أو إن كان لحنا جليا، أو لا يبطلها مطلقا؟
جاء في المغني: ومن ترك حرفا من حروف الفاتحة؛ لعجزه عنه، أو أبدله بغيره -كالألثغ الذي يجعل الراء غينا، والأرت الذي يدغم حرفا في حرف، أو يلحن لحنا يحيل المعنى، كالذي يكسر الكاف من إياك، أو يضم التاء من أنعمت، ولا يقدر على إصلاحه-؛ فهو كالأمي، لا يصح أن يأتم به قارئ. اهـ.
وقال الخرشي في شرح مختصر خليل: (ص) وهل بلاحن مطلقا، أو في الفاتحة. (ش) أي: وهل تبطل صلاة المقتدي بلاحن مطلقا أي: في الفاتحة أو غيرها، سواء غير المعنى -ككسر كاف إياك، وضم تاء أنعمت- أم لا وجد غيره، أم لا، إن لم تستو حالتهما، أو إن كان لحنه في الفاتحة دون غيرها؟ قولان. وترك المؤلف القول بالصحة مطلقا، مع أنه أرجح من القولين اللذين ذكرهما.
ومحل الخلاف فيمن عجز عن تعلم الصواب، لضيق الوقت، أو لعدم من يعلمه مع قبول التعليم وائتم به من ليس مثله؛ لعدم وجود غيره. اهـ.
لكن إن كانوا عاجزين عن التعلم، أو لم يقدروا بسبب العجمة؛ فيشبهون عجز الألكن، فيجوز الاقتداء بهم.
قال الخرشي: وإن فعل ذلك عجزا بأن لا يقبل التعليم؛ فصلاته، وصلاة من اقتدى به صحيحة أيضا قطعا؛ لأنه بمنزلة الألكن. اهـ.
وقال عليش في منح الجليل شرح مختصر خليل: وجاز اقتداء سالم بإمام ألكن، أي: عاجز عن إخراج بعض الحروف من مخرجه؛ لعجمة، أو غيرها، سواء كان لا ينطق بالحرف أصلا، أو ينطق به متغيرا؛ كأن يجعل اللام ثاء مثلثة، أو تاء مثناة، أو الراء لاما. اهـ.
وما دمت تحفظ القرآن، ومعك إجازة؛ فيمكنك التحدث مع القائمين على المسجد بشأن القراءة بصفة لا تثير نزاعا، فإما أن يقدموك، وإما أن يتعلموا منك.
أما صلاتك خلفهم؛ فتصح عند بعض العلماء، خاصة في حالة العجز بسبب العجمة، وعلى ذلك؛ لا يلزمك إعادة الصلوات الماضية.
جاء في البيان والتحصيل لابن رشد: والأعجمي الذي لا يفرق بين الطاء، والضاد، والسين، والصاد، وما أشبه ذلك؛ فلا اختلاف في أنه لا إعادة على من ائتم بهم، وإن كان الائتمام بهم مكروها، إلا ألا يوجد من يرضى به سواهم. اهـ.
ولك الصلاة في هذا المسجد القريب، بناء على القول بصحة الصلاة خلفهم -كما هو مذهب المالكية- وإن استطعت الصلاة في المسجد الآخر، مراعاة لمن قال ببطلان الصلاة خلفهم؛ فافعل.
وإذا فاتتك صلاة الجماعة؛ فيمكن أن تصليها في بيتك جماعة مع أسرتك، أو من يقيم معك.
والله أعلم.