كيفية التصرف في الوقف إذا تعطلت منفعته، وهل يجوز بيعه وتوزيع ثمنه على الورثة؟

0 0

السؤال

أوقف والدي -رحمه الله- عمارة، وفي هذه السنة قال أحد إخوتي: إن منافع الوقف قد تعطلت، فاستفتى أحد المشايخ وباع الوقف، ثم وزع ثمنه على الورثة بحسب أنصبة الميراث.
وقد وجدت في نفسي حرجا من أخذ هذا المبلغ؛ لأنه في الأصل مال وقف. وأنا أملك مزرعة فيها بئر ماء، وقد ركبت شبكة لتعبئة الماء للناس مجانا، ونويت أن أجعل ثواب هذا الماء لوالدي مدة ستة أشهر أو أكثر مقابل هذا المال، وكأنني جعلت قيمة الماء في هذه المدة عن المبلغ الذي وصلني من الوقف، بينما ينتفع الناس به مجانا.
وعلى سبيل المثال، إذا كانت قيمة تعبئة الوايت الواحد 300 ريال، وكان يأتي في الشهر نحو 50 وايتا، فإن مجموع المنفعة خلال ستة أشهر أو أكثر قد يساوي المبلغ الذي آل إلي من الوقف أو يزيد عليه.
سؤالي:
هل بهذه الطريقة يصبح المبلغ حلالا لي؟ وهل تصرف إخوتي في بيع الوقف وتوزيع ثمنه على الورثة تصرف صحيح شرعا؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فتصرف أخيك في توزيع ثمن الوقف إرثا غير صحيح، وهو تصرف محرم شرعا؛ لأن الوقف عقد لازم ومؤبد، لا يجوز بيعه، ولا هبته، ولا وراثته؛ فقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن وقف عمر -رضي الله عنه-: تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره.

والواجب أن يتبع فيه شرط الواقف، فإذا خرب أو تعطلت منافعه ولم يمكن ترميمه والانتفاع به، جاز -على الراجح- بيعه واستبداله بعين أخرى تجعل وقفا، ليستمر أجره للواقف.

قال ابن قدامة في المغني: الوقف إذا خرب وتعطلت منافعه، كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتا ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه، أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه؛ جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه... 
قال ابن عقيل:
الوقف مؤبد، فإذا لم يمكن تأبيده على وجه تخصيصه استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، واتصال الأبدال جرى مجرى الأعيان، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض. اهـ.

ولا يجوز بحال توزيع ثمنه على الورثة كتركة؛ لأن المال خرج من ملك الوالد إلى جهة الوقف في حياته، فلم يعد تركة.

وأما جعل سقي الماء مجانا لمدة معينة مقابلا للمبلغ، فلا يبرئ ذمتك، ولا يجعل المال حلالا لك؛ لأن المطلوب بقاء أصل البدل وقفا، لا إنفاقه في منفعة مؤقتة.

والواجب عليك نصح إخوانك بتوضيح الحكم الشرعي لهم، وبيان أن الواجب: جمع ثمن العمارة المبيعة بالكامل، وشراء عقار، أو أصل ثابت بديل، وتسجيله وقفا لوالدكم كما أراد من الوقف السابق؛ لأن هذا المال عوض عن أصل الوقف، وأصل الوقف لا ينقل ملكه لا ببيع ولا بغيره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: من أصول الاشتراء ببدل الوقف إذا تعطل نفع الوقف؛ فإنه يباع، ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه في مذهب أحمد وغيره. اهـ. 

فإن امتنع بقية الورثة عن رد أنصبتهم، فيجب عليك أخذ نصيبك المالي الذي استلمته كاملا، وشراء أصل وقفي به إن أمكن، أو المساهمة به في شراء جزء عقار وقفي ثابت، أو سهم فيه، ووقفه عن والدك.

قال ابن قدامة في المغني: فصل: وإذا لم يف ثمن الفرس الحبيس لشراء فرس أخرى، أعين به في شراء فرس حبيس يكون بعض الثمن. نص عليه أحمد؛ لأن المقصود استبقاء منفعة الوقف الممكن استبقاؤها، وصيانتها عن الضياع، ولا سبيل إلى ذلك إلا بهذه الطريق. اهـ.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة