0 495

السؤال

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادى له "، و بناء عليه فإننا مهما التزمنا فلن نهتدى إلا إذا أراد الله، فلماذا نحاسب على ما ليس لنا فيه تصرف؟ و بما أننا خلقنا على قدرات و نفوس مختلفةن فكيف لى أن أطلب من سيارة أقصى سرعة لها 200 أن تتساوى مع سيارة سرعتها 500؟ فما دمنا لسنا مثل بعض فى القدرات، فلماذا الواجبات واحدة؟ و ما دامت القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف يشاء، فالناتج أن الأمر كله ليس لنا شأن به، فربما أكون ملتزما، و أعمل كل الواجبات، ثم يقلب الله قلبى فانقلب دون ذنب منى، أرجو الأفادة بالأدلة و المنطقيات، وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالواجب على المسلم أن يعتقد أن الله تعالى يفعل ما يشاء ويختار، ويحكم لا معقب ‏لحكمه، كما قال تعالى:  لا يسأل عما يفعل وهم يسألون {الأنبياء: 23}.
والله عز وجل عدل لا يظلم أحدا من خلقه مثقال ذرة .. وما ربك بظلام للعبيد {فصلت: 46}، إن الله لا يظلم مثقال ذرة ..{النساء: 40}‏.
وأن يعتقد أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال سبحانه وتعالى:من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون {الأعراف: 178}، وقوله تعالى: ‏‏من يضلل الله فلا هادي له ..{الأعراف: 186}، وغير ذلك من الآيات، لكن الله سبحانه ‏وتعالى لا يحاسب العبد إلا على فعله وكسبه وتصرفه، فقد أعطاه عقلا وسمعا وإدراكا ‏وإرادة ليعرف الخير من الشر، والضار من النافع، قال تعالى:  لمن شاء منكم أن يستقيم {التكوير: 28}، وقال: سبحانه: قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها {الشمس: 9-10}، إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا {الإنسان: 3}، وبذلك ‏تعلقت التكاليف الشرعية به من الأمر والنهي، واستحق الثواب على الطاعة، والعقاب ‏على المعصية.‏
فقولك: (فلماذا نحاسب على ما ليس لنا فيه تصرف) خطأ ظاهر، فإن كل عاقل يدرك أنه ‏فاعل بالاختيار، يأتي المعصية باختياره وإرادته ، كما يقوم بالطاعة بإرادته واختياره، وعلم ‏الله السابق بحال هذا الإنسان ومصيره لا يعني أن الإنسان مجبور على سلوك طريق معين، ‏بل قد جعل الله له الاختيار، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. {الكهف: 29}. ‏
وأما قولك: ( وبما أننا خلقنا على قدرات ونفوس مختلفة….فلماذا الواجبات واحدة).‏
فجوابه: أن الشريعة لا تساوي بين الناس في التكاليف والواجبات، فأهل الأعذار لهم من ‏الأحكام ما يناسبهم، كما أن لأهل القدرة ما يناسبهم،ولهذا شرع التيمم، والمسح على ‏الخفين، وقصر الصلاة، والصلاة قاعدا ومستلقيا، والفطر في الصوم، والحج عن الغير، وغير ‏ذلك من الأحكام المعلومة التي تراعي حال الكبير والمريض والعاجز.‏
وأما الفروق الحاصلة بين الناس في الهمة والإرادة والعزيمة، فهذه راجعة إليهم، وهم ‏مطالبون بترقيتها وتنميتها، ويتفضل الله على من يشاء من عباده بمزيد إحسانه وتوفيقه، لا ‏سيما لمن أقبل عليه وأخذ بأسباب الهداية قال تعالى: ويزيد الله الذين اهتدوا هدى .. {مريم: 76}،وقال سبحانه:والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا .. {العنكبوت: 69}.
وأما قولك: ( وما دامت القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فالناتج ‏أن الأمر ليس لنا فيه شأن به)، فجوابه: أنك مطالب بالعمل الذي هو راجع لاختيارك ‏وإرادتك - كما سبق-، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين قالوا: فيم ‏العمل؟ اعملوا فكل ميسر لما خلقه، متفق عليه.‏
فلا أعجب في هذا من الإنسان الذي يدع ما أمر به، وهو في مقدرته، ويجادل في شيء غائب ‏عنه، لم يطلب منه البحث فيه، وهو يرى الناس من حوله يجتهدون ويحصلون ويفوزون ‏بالدرجات.‏
وقولك: ( فربما أكون ملتزما وأعمل كل الواجبات ثم يقلب الله قلبي، فأنقلب دون ذنب ‏منى)، فإن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، وما هو بظلام للعبيد، وهو يحب ‏المحسنين، وهو عند ظن عبده به، وهو أرحم بعبده من الوالدة بولدها.‏
ولهذا تكون سوء الخاتمة -عياذا بالله من ذلك- لأهل التفريط والتقصير، أو لأهل الاجتهاد ‏المدخول الذي صاحبه رياء وسمعة، فهو محسن فيما يبدو للناس، لكن الله أعلم بنيته وقلبه.‏
فالواجب على السائل أن يحسن الظن بالله تعالى، وأن يعلم أن الله لا يظلم مثقال ذرة، ‏وأنه هو الغفور الرحيم الكريم الجواد، يسبغ على عباده ألوان النعم رغم تقصيرهم ‏وعصيانهم، بل مع كفرهم وطغيانهم.‏
وعليك أن تشتغل بما ينفعك، وأن تدأب في تحصيل الطاعة لتفوز مع الفائزين، فإن اليوم ‏عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل، وكن متشبها بأصحاب النبي صلى الله عليه ‏وسلم ورضي الله عنهم، حيث لم يكن معرفتهم بالقدر وسبق القلم، وآيات الهداية والإضلال ‏موجبا لقعودهم عن الأعمال، بل دفهم ذلك إلى بذل ما في وسعهم رضي الله عنهم، ‏فهنيئا لهم، ونسأل الله أن يلحقنا وإياك بهم، وأن يدخلنا في زمرتهم.‏
والله أعلم.‏

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة