إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

الشوكاني - محمد بن علي بن محمد الشوكاني

صفحة جزء
[ ص: 212 ] فصل : الحديث الصحيح

الصحيح من الحديث : هو ما اتصل إسناده بنقل عدل ضابط من غير شذوذ ولا علة قادحة .

فما لم يكن متصلا ليس بصحيح ، ولا تقوم به الحجة ، ومن ذلك المرسل ، وهو أن يترك التابعي الواسطة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، هذا اصطلاح جمهور أهل الحديث .

وأما جمهور أهل الأصول فقالوا : المرسل : قول من لم يلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سواء كان من التابعين ، أو من تابعي التابعين ، أو ممن بعدهم .

وإطلاق المرسل على هذا ، وإن كان اصطلاحا ، ولا مشاحة فيه ، لكن محل الخلاف هو المرسل باصطلاح أهل الحديث ، فذهب الجمهور إلى ضعفه ، وعدم قيام الحجة به ; لاحتمال أن يكون التابعي سمعه من بعض التابعين ، فلم يتعين أن الواسطة صحابي لا غير حتى يقال : قد تقرر أن الصحابة عدول ، فلا يضر حذف الصحابي ، وأيضا يحتمل أنه سمعه من مدع يدعي أن له صحبة ولم تصح صحبته .

وذهب جماعة منهم أبو حنيفة وجمهور المعتزلة واختاره الآمدي إلى قبوله وقيام الحجة به ، حتى قال بعض القائلين بقبول المرسل : إنه أقوى من المسند لثقة التابعي بصحته ; ولهذا أرسله ، وهذا غلو خارج عن الإنصاف .

والحق عدم القبول لما ذكرنا من الاحتمال .

قال الآمدي وفصل عيسى بن أبان فقبل مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ، دون من عداهم ولعله يستدل على هذا بحديث خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب وقيد هذا من قال به بأن يكون الراوي من [ ص: 213 ] أئمة النقل ، واختاره ابن الحاجب ، فإنه قال : فإن كان من أئمة النقل قبل ، وإلا فلا .

قال ابن عبد البر : لا خلاف في أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان مرسله غير محترز يرسل عن غير الثقات ، قال : وهذا الاسم واقع بالإجماع على حديث التابعي الكبير ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، مثل أن يقول عبيد الله بن عدي بن الخيار أو أبو أمامة بن سهل بن حنيف أو عبد الله بن عامر بن ربيعة ومن كان مثلهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذلك من دون هؤلاء كسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن والقاسم بن محمد ومن كان مثلهم وكذلك علقمة ومسروق بن الأجدع والحسن وابن سيرين والشعبي [ ص: 214 ] وسعيد بن جبير ومن كان مثلهم الذين صح لهم لقاء جماعة من الصحابة ، ومجالستهم ، ونحوه مرسل من دونهم ، كحديث الزهري وقتادة وأبي حازم ويحيى بن سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيسمى مرسلا ، كمرسل كبار التابعين .

وقال آخرون : حديث هؤلاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمى منقطعا ; لأنهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والاثنين ، وأكثر روايتهم عن التابعين ، انتهى .

وفي هذا التمثيل نظر فأبو أمامة بن سهل بن حنيف وعبد الله بن عامر معدودان في الصحابة ، وأيضا قوله في آخر كلامه : إن الزهري ومن ذكر معه لم يلقوا إلا الواحد والاثنين من الصحابة غير صحيح : فقد لقي الزهري أحد عشر رجلا من الصحابة .

قال ابن عبد البر أيضا : وأصل مذهب مالك وجماعة من أصحابه أن مرسل الثقة يجب به الحجة ، ويلزم به العمل ، كما يجب بالمسند سواء ، قال طائفة من أصحابنا : مراسيل الثقات مقبولة بطريق أولى ، واعتلوا بأن من أسند لك فقد أحالك على البحث عن أحوال من سماه لك ، ومن أرسل من الأئمة حديثا مع علمه ودينه وثقته ، فقد قطع لك بصحته .

قال : والمشهور أنهما سواء في الحجة ; لأن السلف فعلوا الأمرين ، قال : وممن ذهب إليه أبو الفرج عمر بن محمد المالكي وأبو بكر الأبهر وهو قول أبي جعفر الطبري ، وزعم الطبري أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل ، ولم يأت عنهم إنكاره ، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين . انتهى .

ويجاب عن قوله : من أرسل من علمه ودينه وثقته فقد قطع لك بصحته ، إن الثقة قد يظن من ليس بثقة ثقة ، عملا بالظاهر ، ويعلم غيره من حاله ما يقدح فيه ، والجرح مقدم على التعديل .

[ ص: 215 ] ويجاب عن قول الطبري : إنه لم ينكره أحد إلى رأس المائتين بما رواه مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن عباس : أنه لم يقبل مرسل بعض التابعين ، مع كون ذلك التابعي ثقة محتجا به في الصحيحين ، وبما نقله مسلم أيضا عن ابن سيرين ، أنه قال : كانوا لا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة ، قيل : سموا لنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ عنهم ، وإلى أهل البدع فلا يؤخذ عنهم .

ونقل الحافظ أبو عبد الله الحاكم : أن المرسل ليس بحجة عن إمام التابعين سعيد بن المسيب وعن مالك بن أنس وجماعة من أهل الحديث ، ونقله غيره عن الزهري والأوزاعي ، وصح ذلك عن عبد الله بن المبارك وغيره .

قال الخطيب : لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بتدليس هو رواية الراوي عمن لم يعاصره ، أو لم يلقه كرواية سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومحمد بن المنكدر والحسن البصري وقتادة وغيرهم من التابعين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنه قيل : هو مقبول إذا كان المرسل ثقة عدلا ، وهو قول مالك وأهل المدينة وأبي حنيفة وأهل العراق وغيرهم .

وقال الشافعي : لا يجب العمل وعليه أكثر الأئمة .

واختلف مسقطو العمل بالمرسل في قبول رواية الصحابة خبرا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يسمعه منه ، كقول أنس بن مالك ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال لمعاذ من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة الحديث ، [ ص: 216 ] فقال بعض من لا يقبل مراسيل الصحابة : لا نشك في عدالتهم ، ولكنه قد يروي الراوي عن تابعي أو عن أعرابي لا نعرف صحبته ، ولو قال : لا أروي لكم إلا من سماعي ، أو من صحابي لوجب علينا قبول مرسله .

وقال آخرون : مراسيل الصحابة كلهم مقبولة لكون جميعهم عدولا ، وأن الظاهر فيما أرسلوه أنهم سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو من صحابي سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما ما رووه عن التابعين فقد بينوه ، وهو أيضا قليل نادر ، لا اعتبار به ، قال : وهذا هو الأشبه بالصواب ، ثم رجح عدم قبول مراسيل غير الصحابة ، فقال : والذي نختاره سقوط فرض الله بالمرسل بجهالة راويه ، ولا يجوز قبول الخبر إلا عمن عرفت عدالته ، ولو قال المرسل : حدثني العدل الثقة عندي بكذا لم يقبل حتى يذكر اسمه .

التالي السابق


الخدمات العلمية