1. الرئيسية
  2. شرح مشكل الآثار
  3. باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المراد بقول الله لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه
صفحة جزء
[ ص: 311 ] 266 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المراد بقول الله : لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ... الآية } .

1626 - حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني ، قال : حدثنا محمد بن إدريس الشافعي ، عن إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن ابن مرجانة ، قال : ذكر لابن عباس ، أن ابن عمر تلا هذه الآية : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله .

فبكى ، ثم قال : والله لئن آخذنا الله بها لنهلكن ، فقال ابن عباس : يرحم الله أبا عبد الرحمن قد وجد المسلمون منها حين نزلت ما وجد ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت من القول والعمل وكان حديث النفس مما لا يملكه أحد ولا يقدر عليه أحد
.

[ ص: 312 ]

1627 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن مرجانة ، يحدث بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر بن الخطاب ، تلا هذه الآية : لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ، الآية . فقال : والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلكن ، ثم بكى عبد الله بن عمر حتى سمع نشيجه ، فقال : ابن مرجانة : فقمت حتى أتيت عبد الله بن عباس ، فذكرت له ما تلا ابن عمر وما فعل حين تلاها ، فقال : ابن عباس : يغفر الله لأبي عبد الرحمن ، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد ابن عمر ، فأنزل الله بعدها : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، إلى آخر السورة .

فقال ابن عباس : وكانت هذه [ ص: 313 ] الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها ، فصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل ، أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل
.

قال أبو جعفر : فكان في هذا الحديث ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن مرجانة يحدث ، فأوقع ذلك في القلوب أن يكون ابن شهاب لم يحدث به ، عن ابن مرجانة سماعا ، فنظرنا إلى ذلك لنقف على الحقيقة فيه ، إن شاء الله .

1628 - فوجدنا أحمد بن حماد التجيبي أبا جعفر قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن من حدثه ، عن سعيد بن مرجانة ، ثم ذكر مثل حديث يونس هذا .

قال أبو جعفر : فوقفنا بذلك على أن ابن شهاب إنما حدث بهذا الحديث ، عن ابن مرجانة بلاغا ، ولم يحدث به عنه سماعا ، فبطل بذلك هذا الحديث لبطلان إسناده .

ثم نظرنا ، هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 314 ] في هذا السبب حديث غير هذا الحديث

1629 - فوجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن المنهال الضرير ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا روح بن القاسم ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : { لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية : لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله .

الآية جثوا على الركب ، فقالوا : لا نطيق لا نستطيع ، كلفنا من العمل ما لا نطيق ولا نستطيع ، فأنزل الله عز وجل : آمن الرسول بما أنـزل إليه من ربه إلى قوله جل وعز : وإليك المصير .

فقالوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير .

فأنزل الله عز وجل : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا . قال : نعم : ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به . الآية ، قال : نعم
.

قال أبو جعفر : فكان هذا الحديث أحسن من حديث ابن شهاب وأصح إسنادا ، ثم تأملناه فوجدنا فيه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 315 ] قولهم : لا نطيق ، لا نستطيع ، كلفنا من العمل ما لا نطيق ، وما لا نستطيع .

وكان ذلك منهم عندنا والله أعلم .

على أنه وقع في قلوبهم ، أن الله عز وجل أعلمهم بهذه الآية أنه يؤاخذهم بخواطر قلوبهم ، التي لا يستطيعونها ولا يملكونها من أنفسهم ، فبين لهم عز وجل فيما أنزل بعد ذلك ، فقال : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت .

أي لا يكلف الله نفسا ما لا تملكه ، وبين بذلك أنه عز وجل إنما كان أراد بقوله : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله .

إنما هو ما يخفونه مما يستطيعون أن لا يخفوه وما يبدونه مما يستطيعون أن يخفوه ، لا الخواطر التي لا يستطيعون فيها إبداء ولا إخفاء ولا يملكونها من أنفسهم .

وقد روي عن ابن عباس من غير حديث ابن مرجانة في تأويل هذه الآية قول يخالف هذا القول .

كما قد حدثنا أبو قرة محمد بن حميد الرعيني ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا موسى بن أعين ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، في هذه الآية : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ، الآية . قال : من الشهادة .

[ ص: 316 ] قال أبو جعفر : فكان هذا التأويل عندنا غير صحيح ، وكان التأويل الأول أولاهما بالآية ؛ لأن كتمان الشهادة مما لا يغفر ؛ لأنه حق من المشهود له .

وفي الآية ما قد منع من ذلك ، وهو قوله عز وجل : فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء . والله عز وجل نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية