1. الرئيسية
  2. شرح مشكل الآثار
  3. باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله عليه السلام من نهيه عن الجلوس بالصعدات
صفحة جزء
[ ص: 154 ] 26 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله عليه السلام من نهيه عن الجلوس بالصعدات ومن إباحته ذلك على الشرائط التي اشترطها في إباحته ذلك

165 - حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا عبد الله بن سنان الهروي ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن جرير بن حازم قال : سمعت إسحاق بن سويد يحدث عن ابن حجير العدوي قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : { أتى علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جلوس على الطريق فقال : إياكم والجلوس على هذه الطرق ، فإنها مجالس الشيطان ، فإن كنتم لا محالة فأدوا حق الطريق ، ثم مضى رسول الله عليه السلام فقلت : قال رسول الله عليه السلام : أدوا حق الطريق ، ولم أسأله ما هو ، فلحقته فقلت : يا رسول الله ، إنك قلت كذا وكذا ، فما حق الطريق ؟ قال : حق الطريق : أن ترد السلام ، وتغض البصر ، وتكف الأذى ، وتهدي الضال ، وتعين الملهوف } .

[ ص: 155 ]

166 - وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج بن منهال قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن إسحاق بن سويد ، عن يحيى بن يعمر ، عن النبي عليه السلام بهذا الحديث منقطع الإسناد كما ذكرنا ، وبدون الكلام الذي في حديث يزيد بن سنان .

167 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا عفان بن مسلم ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا عثمان بن حكيم ، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، حدثني أبي قال : قال أبو طلحة : { كنا جلوسا بالأفنية فمر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما لكم ولمجالس الصعدات ؟ فقلنا : اجتمعنا لغير مراب نتذاكر ونتحدث ، قال : فأعطوا المجالس حقها . قالوا : وما حقها يا رسول الله ؟ قال : غض البصر ، ورد السلام ، وطيب الكلام } .

[ ص: 156 ]

168 - حدثنا علي بن معبد ، حدثنا الأسود بن عامر ، حدثنا هريم بن سفيان البجلي ، عن عبد الله بن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي شريح الخزاعي ، عن النبي عليه السلام قال : { إياكم والجلوس في الصعدات ، فمن جلس في صعيد فليعطه حقه . قالوا : وما حقه يا رسول الله ؟ قال : إغضاض البصر ، ورد التحية ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر } .

169 - حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، حدثني حفص بن ميسرة ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله عليه السلام قال : { إياكم والجلوس بالطرقات ، قالوا : يا رسول الله ، لا بد من مجالسنا نتحدث فيها . فقال رسول الله : فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقه . قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال : غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر } .

170 - حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا شعبة ، حدثني أبو إسحاق قال : [ ص: 157 ] سمعت البراء بن عازب يقول : { إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بناس من الأنصار فقال : إن كنتم لا بد فاعلين ، فأفشوا السلام ، وأعينوا المظلوم ، واهدوا السبيل } .

171 - حدثنا فهد ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا شعبة ، حدثنا أبو إسحاق ، عن البراء : { أن النبي عليه السلام مر بناس جلوس من الأنصار ، فقال : إن كنتم لا بد فاعلين } ، ثم ذكر مثله سواء غير أنه قال فيه : قال شعبة : ولم يسمع هذا الحديث أبو إسحاق من البراء .

قال أبو جعفر : وهذا اختلاف شديد على شعبة في هذا الحديث ؛ لأن حجاجا يذكر فيه سماع أبي إسحاق إياه من البراء ، وأبو الوليد ينفي ذلك ، والله أعلم ما الصواب فيه .

172 - حدثنا فهد ، حدثنا أبو غسان النهدي مالك بن إسماعيل ، [ ص: 158 ] حدثنا إسرائيل بن يونس ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : { مر النبي عليه السلام على مجلس للأنصار فقال : إن أبيتم إلا أن تجلسوا ، فردوا السلام ، واهدوا السبيل ، وأعينوا المظلوم } .

قال أبو جعفر : فتأملنا ما في هذه الآثار ، فوجدنا فيها نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلوس بالصعدات ، ثم أباح بعد ذلك ما أباحه من الجلوس فيها على الشرائط التي اشترطها على من أباحه ذلك منها .

فوقفنا بذلك على أن نهيه كان على الجلوس فيها ، إنما كان على الجلوس الذي ليس معه الشرائط التي اشترطها عند إباحته الجلوس فيها على من آثر أن يجلس فيها ، وعلى أن إباحته الجلوس فيها مضمن بالشرائط التي اشترطها في إباحته الجلوس فيها على من أباحه ذلك منها .

وفي ذلك ما قد دل على تباين نهيه صلى الله عليه وسلم وتباين إباحته ، وأن كل واحد منهما لمعنى ليس في الآخر منهما .

وفي هذه الآثار ما يدل على إباحة الناس الاستعمال من طرقهم العامة ما لا ضرر فيه على أحد من أهلها ، وإذا كان ذلك كذلك كان معقولا أن الجلوس فيها إن كان مما يضيق على المارين بها جلوس الجالسين بها إياها ، غير داخل فيما أباحه عليه السلام منها ، وأن ذلك راجع إلى ما في حديث سهل بن معاذ الجهني ، عن أبيه : { أن رسول الله عليه السلام أمر مناديا في بعض غزواته لما ضيق الناس المنازل ، وقطعوا الطرقات ، فنادى [ ص: 159 ] أن من ضيق منزلا ، وقطع طريقا فلا جهاد له } .

وقد ذكرنا هذا الحديث فيما تقدم منا في كتابنا هذا ، والواجب على ذوي اللب أن يعقلوا عن رسول الله عليه السلام ما يخاطب به أمته ، فإنه إنما يخاطبهم به ليوقفهم على حدود دينهم ، وعلى الآداب التي يستعملونها فيه ، وعلى الأحكام التي يحكمون بها فيه ، وأن يعلم أنه لا تضاد فيها ، وأن كل معنى منها يخاطبهم به يخالف ألفاظه فيه الألفاظ التي قد كان خاطبهم فيما قبله من جنس ذلك المعنى ، وأن يطلبوا ما في كل واحد من ذينك المعنيين إذا وقع في قلوبهم أن في ذلك تضادا أو خلافا ، فإنهم يجدونه بخلاف ما ظنوه فيه ، وإن خفي ذلك على بعضهم ، فإنما هو لتقصير علمه عنه ، لا لأن فيه ما ظنه من تضاد أو خلاف ؛ لأن ما تولاه الله بخلاف ذلك كما قال تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، والله نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية