1. الرئيسية
  2. شرح مشكل الآثار
  3. باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما تعلق به قوم من أن العبد لا طلاق له
صفحة جزء
[ ص: 458 ] 474 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما تعلق به قوم من أن العبد لا طلاق له .

3007 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي ، قال : حدثنا معاوية بن سلام ، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن عمر بن معتب أن أبا حسن مولى بني نوفل أخبره أنه استفتى ابن عباس في رجل مملوك كانت تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ، فبانت منه ، ثم إنهما أعتقا بعد ذلك ، هل يصلح للرجل أن يخطبها ؟ فقال ابن عباس : نعم ، وقضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، زعم ابن عباس .

[ ص: 459 ] قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث في إسناده لنعلم هل أبو الحسن هذا الذي دار عليه ممن يؤخذ هذا الحديث عن مثله . ؟

فوجدنا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني أبو حسن مولى عبد الله بن نوفل بن عبد المطلب ، وكان من أرضى موالي قريش ، وأهل العلم والصلاح منهم أنه سمع امرأة لعبد الله تستفتيه عن غلام لها ابن زنية في رقبة كانت عليها ، فقال لها عبد الله بن نوفل : لا أراه يقضي عنك الرقبة التي عليك عتق ابن زنية .

قال ابن شهاب : وأخبرني عبد الله بن نوفل ، قال : سمعت عمر بن الخطاب : لأن أحمل على بغلين في سبيل الله - عز وجل - أحب إلي من أن أعتق ابن زنية ، وكان عبد الله بن نوفل من صلحاء المسلمين ، ومن ذوي علمهم ، وكان مروان بن الحكم جعله على القضاء في إمارته .

فوقفنا بذلك على أن أبا الحسن هذا ممن يؤخذ مثل هذا عنه ، [ ص: 460 ] ثم طلبنا هل لعمر بن معتب حال يوجب له مثل ذلك ، فلم نجدها له ، فعاد ممن لا يحتج في مثل هذا به ، ثم تأملنا متن هذا الحديث ، فوجدناه مستحيلا ؛ لأن طلاق ذلك المملوك زوجته التطليقتين اللتين كان طلقهما إياها في حال رقه ورقها لا يخلو من أحد وجهين : أن يكون عاملا ، فيكون حكمه حكم التحريم لها حتى تنكح زوجا غيره ، إذ التطليقتان يحرمانها عليه كذلك ، أو يكون غير عامل ؛ لأن طلاق المملوك ليس بشيء على ما كان عبد الله بن عباس يذهب إليه في طلاق المماليك .

كما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : حدثنا عمي عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، والليث بن سعد ، عن بكير بن عبد الله ، عن بسر بن سعيد ، عن عبد الله بن عباس في عبد يزوجه سيده ، فيطلقها ، أنه لا يجوز إلا بإذن سيده ، وتلا عبد الله بن عباس : و ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ، فذهبت إلى عبد الله بن عمر فسألته ، فقال : لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره .

حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا هشيم ، قال : حدثنا منصور - يعني : ابن زاذان - ، عن عطاء ، [ ص: 461 ] عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الأمر إلى المولى ، أذن له أم لم يأذن له ، ويتلو هذه الآية : و ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء .

وكما حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أنبأنا أبو الزبير ، عن أبي معبد مولى ابن عباس أن غلاما لابن عباس طلق امرأته تطليقتين ، فقال له ابن عباس : ارجعها لا أم لك ، فإنه ليس لك من الأمر شيء ، فأبى فقال : هي لك فخذها .

قال أبو جعفر : فإن كان كذلك لم يكن لارتجاعه إياها معنى ؛ لأنها زوجته على حالها ، لم يحرمها ذلك الطلاق عليه ، وفيما ذكرنا ما قد دل على فساد هذا الحديث في إسناده وفي متنه ، وإنه مما لا يجب قبوله على عبد الله بن عباس ، ولا يلتفت إليه .

3008 - ووجدنا يحيى بن عثمان قد حدثنا ، قال : حدثنا نعيم ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عمر بن معتب ، عن الحسن مولى بني نوفل ، هكذا قال ، عن ابن عباس في عبد طلق امرأته اثنتين ، ثم أعتقها أيتزوجها ؟ قال : نعم ، قيل عمن ؟ قال : أفتى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 462 ]

3009 - ووجدنا محمد بن سليمان الباغندي قد حدثنا ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا شيبان النحوي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عمر بن معتب هكذا قال : إن مولى بني نوفل أخبره أنه استفتى ابن عباس أنه استفتاه في مملوك كان تحته مملوكة ، فطلقها تطليقة فبانت منه ، ثم إنهما أعتقا بعد ذلك هل يصلح للرجل أن يخطبها ؟ قال ابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك ، ولم يزد على هذا شيئا .

قال أبو جعفر : فكتبناه ؛ لأن فيه أنه كان طلقها تطليقة ، ولنوقف بذلك على اضطراب هذا الحديث ، وأن لا يجوز أن يحتج به إن كان كذلك ، ثم رجعنا إلى ما روي في طلاق العبد عن غير ابن عباس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فوجدنا عبد الغني بن أبي عقيل قد حدثنا ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن محمد بن عبد الرحمن - يعني : مولى آل طلحة - ، عن سليمان بن يسار ، عن عبد الله بن عتبة ، قال : قال عمر رضي الله عنه : ينكح العبد اثنتين ، ويطلق اثنتين ، وتعتد الأمة حيضتين ، فإن لم تكن تحيض ، فشهر ونصف .

[ ص: 463 ]

حدثنا يونس ، قال : أنبأنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب أن نفيعا - مكاتبا لأم سلمة - طلق امرأة حرة تطليقتين ، فاستفتى عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فقال : حرمت عليك .

حدثنا يونس ، قال : أنبأنا ابن وهب أن مالكا أخبره ، عن أبي الزناد ، عن سليمان بن يسار أن مكاتبا كان لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أو عبدا ، كانت تحته امرأة حرة ، فطلقها اثنتين ، ثم أراد أن يراجعها فأمره أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي عثمان بن عفان ، فيسأله عن ذلك ، فذهب إليه فلقيه عند الدرج آخذا بيد زيد بن ثابت ، فسألهما ، فابتدراه جميعا ، فقالا : حرمت عليك ، حرمت عليك .

ووجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا وهب ، قال : أخبرني يونس ، ومالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن عثمان بن عفان ، ثم ذكر مثله .

[ ص: 464 ] قال يونس : قال ابن شهاب : وأخبرني أبو سلمة عن عثمان مثله .

ووجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن أبي الزناد ، عن سليمان بن يسار أن نفيعا مكاتب أم سلمة ، ثم ذكر مثل حديث يونس ، عن ابن وهب ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، الذي ذكرناه في ذلك .

ووجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا ، قال : حدثنا حجاج ، قال : حدثنا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : السنة بالنساء في الطلاق والعدة .

قال : فكان فيما رويناه من هذه الآثار عن عمر ، وعثمان ، وعلي ، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم ، ما قد خالف ما قد رويناه عن ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك ، وقد وجدنا عن ابن عمر أيضا في ذلك [ ص: 465 ] ما يخالف ما رويناه عن ابن عباس في ذلك .

كما قد حدثنا أحمد بن أبي عمران ، قال : حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام ، ( ح ) وكما حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا أبو مروان العثماني ، وكما قد حدثنا يحيى بن عثمان ، قال : حدثنا نعيم ، قالوا : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه قال : أيهما رق نقص الطلاق برقه ، والعدة بعد ذلك على النساء .

وكان ما رويناه عن ابن عمر من هذا لم نجد له عليه موافقا من الصحابة ، ولا ممن بعدهم .

ثم تأملنا قول الله - عز وجل - : ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ، هل طلاقه من تلك المعاني التي لا يقدر عليها أم لا ؟ فوجدنا تزويج مولاه إياه يبيحه فرج من زوجه إياها ، ويكون مالكا له قادرا عليه دون مولاه ، وكان الذي لا يقدر عليه هو سوى ذلك من [ ص: 466 ] الأموال التي خولها الله الأحرار دون المماليك لا أبضاع النساء ، فلما كان حل البضع له لا لمولاه ، كان تحريم البضع أيضا له دون مولاه .

وقد روينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من ناحية المدنيين في ذلك ما قد رويناه عنه في هذا الباب ، وقد روي عنه فيه أيضا من ناحية الكوفيين ما يوافق ذلك .

كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو داود ، عن شعبة ، عن ابن عون قال : سمعت أبا صالح يقول : سمعت عليا رضي الله عنه يقول ، وسئل عن رجل كانت تحته أمة فطلقها تطليقتين ، ثم اشتراها أيطؤها ؟ فأبى ذلك .

ثم رجعنا إلى طلب الأولى من الطلاق الذي جعله عمر وعلي على حكم النساء المطلقات ، وجعله عثمان وزيد على حكم الرجال المطلقين ، فوجدنا الحر قد أبيح له تزويج أربع نسوة ، وجعل له من الطلاق فيهن اثنتي عشرة تطليقة ، [ ص: 467 ] ووجدنا المملوك قد أبيح له تزويج اثنتين لا أكثر منهما .

فعقلنا بذلك إذ كان في عدد النساء على النصف مما عليه الحر في عددهن أن يكون في طلاقهن نصف ما عليه الحر في ذلك ، فيكون طلاقه لهما ست تطليقات ، فثبت بذلك ما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما فيه .

ولقد كلمت أبا جعفر محمد بن العباس في هذا الباب ، وتقلدت عليه قول عثمان وزيد فيه ، فقلت له : أليس الطلاق قد وجدته يكون من الرجل ، والعدة وجدتها تكون من المرأة ؟ فمعقول في ذلك أن كل ما يكون من كل واحد منهما مرجوع فيه إلى حكمه ، فقال لي : كتاب الله يدفع ما قلت ؛ لأن الله قال : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ، فأعلمنا الله عز وجل أن العدة للرجال لا للنساء ، وإذا كانت للرجال ، وكانت على حكم النساء ؛ لأنها تكون منهن كان الطلاق الذي يكون منهم في النساء على حكم النساء ، لا على حكمهم .

فهذه علة صحيحة ، والله عز وجل نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية