صفحة جزء
[ ص: 255 ] سبب إسلام مازن الطائي.

أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان ببغداد قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن يحيى بن عمر بن علي بن حرب الطائي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، قال: حدثنا جدي أبو علي بن حرب بن محمد بن علي بن حيان بن مازن الوافد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيت أبا المنذر هشام بن محمد الكلبي، فقال لي: ممن الرجل؟ فقلت: من طيئ، ثم قال لي: ثم ممن؟ قلت: من ولد نبهان.

قال: ثم ممن؟ قلت: من ولد خطامة، فقال لي: لعلك من ولد السادن.

قلت: نعم , فأكرمني، وأدناني وقربني، ثم قال لي: كنت لقيت شيوخا من شيوخ طيئ المتقدمين فسألتهم عن قصة مازن، وسبب إسلامه، ووفوده على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقطاعه أرض عمان، وذلك بمن الله وفضله، فكان مازن بأرض عمان بقرية تدعى سمايل، وكان يسدن الأصنام لأهله وكان له صنم يقال له باجر قال مازن: فعترت ذات يوم عتيرة، وهي الذبيحة، فسمعت [ ص: 256 ] صوتا من الصنم يقول: يا مازن أقبل إلي أقبل.

تسمع ما لا يجهل.

هذا نبي مرسل، جاء بحق منزل.

فآمن به كي تعدل عن حر ناب تشعل.

وقودها بالجندل.

قال مازن: فقلت: إن هذا والله لعجب , ثم عترت بعد أيام عتيرة أخرى فسمعت صوتا أبين من الأول وهو يقول: يا مازن اسمع تسر.

ظهر خير وبطن شر.

بعث نبي من مضر بدين الله الكبر.

فدع نحيتا من حجر.

تسلم من حر سقر.

قال مازن: فقلت: إن هذا والله لعجب وإنه لخير يراد بي.

وقدم علينا رجل من أهل الحجاز فقلنا: ما الخبر وراءك؟ قال: خرج رجل بتهامة يقول: لمن أتاه: أجيبوا داعي الله عز وجل، يقال له أحمد.

قال: فقلت: هذا والله نبأ ما سمعت.

فثرت إلى الصنم فكسرته أجذاذا وشددت راحلتي، ورحلت حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرح لي الإسلام فأسلمت وأنشأت أقول:


كسرت باجر أجذاذا وكان لنا ربا نطيف به ضلا بتضلال     بالهاشمي هدانا من ضلالتنا
ولم يكن دينه مني على بال     يا راكبا بلغا عمرا وإخوته
أني لمن قال ديني ناجر قالي

يعني بعمرو إخوته بني خطامة قال مازن: فقلت: يا رسول الله، إني امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر والهلوك من النساء، وألحت علينا السنون، فأذهبن الأموال وأهزلن الذراري والرجال، وليس لي ولد فادع الله أن يذهب عني ما أجد ويأتيني بالحيا، ويهب لي ولدا.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وآته بالحيا وهب له ولدا" .

قال مازن: فأذهب الله [ ص: 257 ] عني كل ما كنت أجد، وأخصبت عمان، وتزوجت أربع حرائر، ووهب الله لي حيان بن مازن، وأنشأت أقول:


إليك رسول الله خبت مطيتي     تجوب الفيافي من عمان إلى العرج
لتشفع لي يا خير من وطئ الحصا     فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج
إلى معشر خالفت في الله دينهم     فلا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي
وكنت امرءا بالزعب والخمر مولعا     شبابي حتى آذن الجسم بالنهج
فأصبحت همي في جهاد ونية     فلله ما صومي ولله ما حجي

قال مازن: فلما رجعت إلى قومي أنبوني وشتموني، وأمروا شاعرهم فهجاني، فقلت: إن هجوتهم فإنما أهجو نفسي فتركتهم وأنشأت أقول:


وشتمكم عندنا مر مذاقته     وشتمنا عندكم يا قومنا لئن
لا ينشب الدهر أن يثبت معايبكم     وكلكم أبدا في عيبنا فطن

قال أبو جعفر: إلى ههنا حفظت، وأخذته من أصل جدي كأنه يريد الباقي :

[ ص: 258 ]

فشعرنا مفحم عنكم وشاعركم     في حربنا مبلغ في شتمنا لسن
ما في الصدور عليكم فاعلموا وغر     وفي صدوركم البغضاء والإحن

فحدثنا موادنا من أهل عمان عن سلفهم أن مازنا لما تنحى عن قومه أتى موضعا فابتنى مسجدا يتعبد فيه فهو لا يأتيه مظلوم يتعبد فيه ثلاثا , ثم يدعو محقا على من ظلمه يعني، إلا استجيب.

وفي أصل السماع فيكاد أن يعافى من البرص، فالمسجد يدعى مبرصا إلى اليوم قال أبو المنذر: قال مازن: ثم إن القوم ندموا أو كنت القيم بأمورهم، فقالوا: ما عسانا أن نصنع به، فجاءني منهم أرفلة عظيمة فقالوا: يا ابن عم، عبنا عليك أمرا فنهيناك عنه، فإذ أبيت فنحن تاركوك ارجع معنا.

فرجعت معهم فأسلموا بعد كلهم.


هكذا أخبرنا به عاليا، وقد ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ رحمه الله عن أبي أحمد بن أبي الحسن عن عبد الرحمن بن محمد الحنظلي عن علي بن حرب، عن أبي المنذر هشام بن محمد، عن أبيه , عن عبد الله العماني، عن مازن بن الغضوبة قال: كنت أسدن صنما بالسمال قرية بعمان، فعترنا ذات يوم عنده عتيرة وهي الذبيحة، فذكر الحديث بمعنى ما روينا وزاد بيتا بعد قوله: وكنت امرءا فقال:


فبدلني بالخمر خوفا وخشية     وبالعهر إحصانا وحصن لي فرجي

وقد روي في معنى ما روينا عن مازن أخبار كثيرة منها حديث عمرو بن [ ص: 259 ] جبلة، فيما سمع من جوف الصنم: يا عصام يا عصام جاء الإسلام، وذهبت الأصنام.

ومنها حديث طارق من بني هند بن حرام، يا طارق، يا طارق: بعث النبي الصادق.

ومنها حديث ابن دقشة فيما أخبر به رئيه فنظر إلى ذباب بن الحارث، وقال: يا ذباب، يا ذباب، اسمع العجب العجاب.

بعث محمد بالكتاب يدعو بمكة ولا يجاب.

ومنها حديث عمرو بن مرة الغطفاني فيما رأى من النور الساطع في الكعبة في نومه , ثم ما سمع من الصوت: أقبل حق فسطع.

ودمر باطل فانقمع.

ومنها حديث العباس بن مرداس فيما سمع من الصوت.

ومنها حديث خالد بن سطيح حين أتته تابعته فقالت: جاء الحق القائم والخير الدايم، وغير ذلك مما يطول بسياق جميعه الكتاب، وبالله التوفيق.

التالي السابق


الخدمات العلمية