صفحة جزء
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، ببغداد قال: أخبرنا أبو عمرو بن السماك، قال: حدثنا الحسن بن سلام.

(ح) وأخبرنا أبو القاسم عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن قال أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن خنب، قال: حدثنا أبو علي الحسن بن سلام السواق سنة خمس وسبعين ومائتين، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه قال: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة قال: فقدمنا فبعث إلينا قال لنا جعفر لا يتكلم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم .

[ ص: 300 ] قال: فانتهينا إلى النجاشي، وهو جالس في مجلسه فزبرنا من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك، فقال جعفر: لا نسجد إلا لله.

قال له النجاشي: وما منعك أن تسجد؟ قال: لا نسجد إلا لله قال: وما ذاك؟ قال: إن الله عز وجل بعث إلينا رسوله، وهو الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم يأتي من بعدي اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر.

فأعجب النجاشي قوله قال: فما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال: يقول فيه: هو روح الله وكلمته، أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر، فتناول النجاشي عودا من الأرض، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان: ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه.

مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وإنه بشر به عيسى ابن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لنا بطعام وكسوة
قلت: هذا إسناد صحيح، وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة، وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه إلى أرض الحبشة، والصحيح عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة، عن أبي موسى أنه بلغهم مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بضع وخمسين رجلا في سفينة، فألقتهم سفينتهم إلى النجاشي بالحبشة، فوافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده فأمرهم جعفر بالإقامة فأقاموا حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر، فأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه، ولعل الراوي وهم في قوله: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق والله أعلم.

[ ص: 301 ] وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار بإسناده قصة طويلة في هذه الهجرة، وهي فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: لما ضاقت علينا مكة وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه" فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار وإلى خير جار، آمنا على ديننا، ولم نخش منه ظلما، فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارا وأمنا، اجتمعوا على أن يبعثوا إليه فينا فيخرجنا من بلاده، وليردنا عليهم، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلا إلا هيؤوا له هدية على حدة، قالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم، ثم ادفعوا هداياه، وإن استطعتما أن يردهم عليكم قبل أن يكلمكم فافعلوا، فقدما علينا فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته وكلموه، فقالوا له: إنا قدمنا على هذا الملك في سفهاء من سفهائنا فارقوا أقوامهم في دينهم، ولم يدخلوا في دينكم، فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل فقالوا: نفعل، ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، وكان من أحب ما يهدى إليه من مكة الأدم، فلما أدخلوا عليه هداياه قالوا له: أيها الملك، إن فتية من [ ص: 302 ] سفهائنا فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجؤوا إلى بلادك، فبعثنا إليك فيهم عشائرهم آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم، فهم أعلاهم عينا، فقالت بطارقته: صدقوا أيها الملك، لو رددتهم عليهم كانوا أعلاهم عينا.

فإنهم لم يدخلوا في دينك فتمنعهم بذلك، فغضب , ثم قال: لا لعمرو الله لا أردهم إليهم حتى أدعوهم فأكلمهم وأنظر ما أمرهم.

قوم لجؤوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري، فإن كانوا كما تقولون رددتهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم، ولم أخل ما بينهم وبينهم ولم أنعمهم عينا.

فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم، ولم يكن شيء أبغض إلى عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم، فلما جاءهم رسول النجاشي، اجتمع القوم فقال: ماذا تقولون؟ فقالوا: وماذا نقول؟ نقول والله ما نعرف، وما نحن عليه من أمر ديننا وما جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن في ذلك ما كان.

فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم، ولم تدخلوا في يهودية، ولا نصرانية، فما هذا الدين؟ فقال: جعفر أيها الملك، كنا قوما على الشرك نعبد الأوثان، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار، ونستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء، وغيرها، لا نحل شيئا، ولا نحرمه، فبعث الله إلينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه، وصدقه، وأمانته، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له، ونصل الرحم، ونحسن الجوار، ونصلي لله، ونصوم له، ولا نعبد غيره .

[ ص: 303 ] قال: فقال: فهل معك شيء مما جاء به، وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله، فقال له جعفر: نعم , فقال: هلم فاتل علي ما جاء به.

فقرأ عليه صدرا من كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها عيسى، انطلقوا راشدين، لا والله لا أردهم عليكم ولا أنعمكم عينا.

فخرجنا من عنده وكان أبقى الرجلين فينا عبد الله بن أبي ربيعة فقال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم فلأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد عيسى ابن مريم عبد فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحما ولهم حق.

فقال: والله لأفعلن.

فلما كان الغد دخل عليه فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما، فأرسل إليهم فاسألهم عنه، فبعث إليهم، ولم ينزل بنا مثلها فقال بعضنا لبعض: ماذا تقولون له في عيسى؟ إن هو سألكم عنه، فقال: نقول والله الذي قال الله تعالى فيه، والذي أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقول فيه.

فدخلوا عليه، وعنده بطارقته، فقال: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر: نقول: عبد الله , ورسوله، وكلمته، وروحه، ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فدلى النجاشي يده إلى الأرض وأخذ عويدا بين إصبعيه، فقال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العويد، فتناخرت بطارقته، فقال: وإن تناخرتم والله.

اذهبوا فأنتم سيوم في أرضي - والسيوم الآمنون - من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم - ثلاثا - ما أحب أن لي دبرا وأني آذيت رجلا منكم، والدبر بلسانهم الذهب، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه، ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها [ ص: 304 ] فاخرجا من بلادي، فرجعا مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به.

فأقمنا مع خير جار وفي خير دار، فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط كان أشد منه فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه، فجعلنا ندعو الله ونستنصره للنجاشي فخرج إليه سائرا، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم لبعض: من رجل يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر ما يكون، فقال الزبير، وكان من أحدثهم سنا: أنا.

فنفخوا له قربة فجعلها في صدره , ثم خرج يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس فحضر الوقعة فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه، فجاءنا الزبير فجعل يليح إلينا بردائه ويقول: ألا أبشروا فقد أظهر الله النجاشي، فوالله ما علمنا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي , ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا راجعا إلى مكة، وأقام من أقام
" قال الزهري: فحدثت بهذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة، فقال عروة: هل تدري ما قوله: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه؟ قال: فقال لا، إنما حدثني بذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن أم سلمة، فقال عروة: فإن عائشة حدثتني " أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ من صلبه اثنا عشر رجلا، ولم يكن لأبي النجاشي ولد غير النجاشي، فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: إنا إن قتلنا أبا النجاشي، وملكنا أخاه فإن له اثنى عشر رجلا من صلبه، فتوارثوا الملك لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا لا يكون بينهم اختلاف، فعدوا عليه فقتلوه، وملكوا [ ص: 305 ] أخاه، فدخل النجاشي لعمه حتى غلب عليه فلا يدبر أمره غيره، وكان لبيبا، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا: لقد غلب هذا الغلام أمر عمه، فما نأمن أن يملكه علينا وقد عرف أنا قد قتلنا أباه، فإن فعل لم يدع منا شريفا إلا قتله، فكلموه فيه، فلنقتله، أو نخرجه من بلادنا فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك وقد عرفت أنا قد قتلنا أباه، وجعلناك مكانه، وإنا لا نأمن أن تملكه علينا فيقتلنا، فإما أن نقتله وإما أن تخرجه من بلادنا قال: فقال: ويحكم قتلتم أباه بالأمس، وأقتله اليوم؛ بل أخرجه من بلادكم.

فخرجوا به فوقفوه بالسوق فباعوه من تاجر من التجار فقذفه في سفينة بستمائة درهم أو بسبعمائة درهم.

فانطلق به فلما كان العشي هاجت سحابة من سحاب الخريف فجعل عمه يتمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعوا إلى ولده فإذا هم محمقين ليس في أحد منهم خير.

فمرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله إن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم بالغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب.

فخرجوا في طلبه حتى أدركوه فردوه، فعقدوا عليه تاجه، وأجلسوه على سريره وملكوه، فقال التاجر: ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي، فقالوا: لا نعطيك: فقال: إذا - والله - أكلمه، فقالوا: وإن.

فمشى إليه فكلمه، فقال: أيها الملك إني ابتعت غلاما فقبضوا مني الذي باعونيه ثمنه , ثم عدموا على غلامي فنزعوه من يدي، ولم يردوا علي مالي فكان أول ما خبر من صلابة حكمه وعدله أن قال: لتردن عليه ماله أو ليجعلن غلامه يده في يده، فليذهبن به حيث شاء، فقالوا: بل نعطيه ماله [ ص: 306 ] ، فأعطوه إياه، فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة، فآخذ الرشوة منه حيث رد علي ملكي، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه.

التالي السابق


الخدمات العلمية