صفحة جزء
[ ص: 471 ] باب خروج النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى الغار وما ظهر في ذلك من الآثار

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه قال: أخبرنا عبيد بن عبد الواحد، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث قال: وأخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الله، واللفظ له، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا ابن صالح قال: حدثني الليث قال: حدثني عقيل قال: قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة قال: أين تريد يا أبا بكر؟ قال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي قال ابن الدغنة: فإن مثلك لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم [ ص: 472 ] ، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار فارجع، فاعبد ربك ببلدك، فارتحل ابن الدغنة مع أبي بكر رضي الله عنه، وطاف في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة، وأمنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر، فلبث أبو بكر يعبد ربه في داره ولا يستعلن بالصلاة، ولا بالقراءة في غير داره , ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز فكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره، وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، وأعلن الصلاة والقراءة، وإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فأته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد عليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان [ ص: 473 ] .

قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة أبا بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب إني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: "قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين" ، وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة، حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى المدينة بعد من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين، وتجهز أبو بكر مهاجرا يعني قبل المدينة.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي" ، فقال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: نعم , فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين، كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر.

قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: فبينا نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها قال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، أما والله إن جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له، فدخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر حين دخل: أخرج من عندك.

فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 474 ] : "فإني قد أذن لي في الخروج" قال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم" قال أبو بكر: فخذ مني يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بالثمن" قالت عائشة: فجهزتهما أحث الجهاز، فصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فأوكت به الجراب، فبذلك كانت تسمى ذات النطاقين.

قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب لقن ثقف فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح في قريش بمكة كبائت [ ص: 475 ] ، فلا يسمع أمرا يكيدون به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريح عليهما حين تذهب ساعة من الليل فيبيتان في رسل منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.

واستأجر، رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل من بني عبد بن عدي هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية، قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث ليال، فارتحلا وانطلق عامر بن فهيرة والدليل الدؤلي فأخذ بهما يد بحر وهو طريق الساحل
" رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بكير عن الليث، وقال: تكسب المعدوم.

التالي السابق


الخدمات العلمية