صفحة جزء
84 - باب ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاعه ومنشئه إلى الوقت الذي جاءه الوحي

962 - حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي ، قال : حدثنا أبو علي الحسين بن علي الصدائي ، قال : حدثنا محمد بن عبيد السلمي ، قال : حدثنا عمر بن صبح التميمي ، عن ثور بن يزيد ، عن مكحول ، عن شداد بن أوس ، قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا على باب الحجرة ، إذ أقبل شيخ من بني عامر ، وهو مدرة قومه ، وسيدهم من شيخ كبير يتوكأ على عصى ، فتمثل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قائما ، ونسبه إلى جده ، فقال : يا ابن عبد المطلب ، [ ص: 1423 ] إنى نبئت أنك تزعم أنك رسول الله إلى الناس بما أرسل به موسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ، ألا وإنك تفوهت بعظيم ، إنما كانت الخلفاء والأنبياء في بيتين من بيوت بني إسرائيل ، فلا أنت من أهل هذا البيت ، ولا من أهل هذا البيت ، إنما أنت رجل من العرب ، ممن كانت تعبد هذه الحجارة والأوثان ، فما لك وللنبوة ؟ ولكن لكل قول حقيقة ، فأنبئني بحقيقة قولك ، وبدء شأنك ، قال : فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم بمساءلته ، وقال : "يا أخا بني عامر ، إن للحديث الذي تسأل عنه نبأ ومجلسا ، فاجلس" فثنى رجله ، ثم برك كما يبرك البعير ، واستقبله النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث ، فقال : " يا أخا بني عامر ، إن حقيقة قولي ، وبدء شأني : أني دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى أخي عيسى ابن مريم ، وإن أمي حملتني ، وإني كنت بكر أمي ، حملتني كأثقل ما تحمل النساء ، حتى جعلت تشتكي إلى صواحباتها ثقل ما تجد ، ثم إن أمي رأت في المنام : أن الذي في بطنها نور ، قالت : فجعلت أتبع النور بصري ، فجعل النور يسبق بصري ، حتى أضاءت لي مشارق الأرض ومغاربها ، ثم إنها ولدتني ، فنشأت ، فلما نشأت بغضت إلي أوثان قريش ، وبغض إلي الشعر ، وكنت مسترضعا في بني ليث بن بكر ، فبينا أنا ذات يوم منتبذ من أهلي ، مع [ ص: 1424 ] أتراب لي من الصبيان ، في بطن واد ، نتقاذف بيننا بالجلة ، إذ أقبل إلي رهط ثلاثة ، معهم طست من ذهب ، ملآن ثلجا ، فأخذوني ، فانطلقوا بي من بين أصحابي ، وانطلق أصحابي هرابا ، حتى انتهوا إلى شفير الوادي ، ثم أقبلوا على الرهط ، فقالوا : ما رابكم إلى هذا الغلام ؟ إنه ليس منا ، هذا من سيد قريش ، وهو مسترضع فينا ، من غلام يتيم ، ليس له أب ولا أم ، فماذا يرد عليكم قتله ؟ ! وماذا تصيبون من ذلك ؟ ! إن كنتم لابد قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم ، فليأتكم مكانه فاقتلوه ، ودعوا هذا الغلام ، فإنه يتيم ، فلما رأى الصبيان أن القوم لا يحيرون إليهم جوابا ، انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحي ، يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم ، فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا ، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي ، وأنا أنظر إليه ، فلم أجد لذلك مسا ، ثم أخرج أحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج ، فأنعم غسلها ، ثم أعادها مكانه ، ثم قال الثاني منهم لصاحبه : تنح ، فأدخل يده في جوفي ، فأخرج قلبي ، فصدعه ، وأنا أنظر إليه ، فأخرج منه مضغة سوداء ، فألقاها ، ثم قال بيده كأنه يتناول شيئا ، فإذا بيده خاتما من نور ، تحار أبصار الناظرين دونه ، فختم به قلبي ، ثم أعاده إلى مكانه ، فامتلأ قلبي نورا ، فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا .

ثم قال الثالث منهم لصاحبه : تنح ، فتنحى عني ، ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا ، ثم أكبوا علي ، وضموني إلى صدورهم ، وقبلوا رأسي وما بين [ ص: 1425 ] عيني ، ثم قالوا : يا حبيب ، لن ترع ، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عينك ، ثم قال الأول الذي شق بطني : زنوه بعشرة من أمته ، فوزنوني بهم فرجحتهم ، ثم قال : زنوه بمائة من أمته ، فوزنوني ، فرجحتهم ، ثم قال : زنوه بألف من أمته ، فوزنوني ، فرجحتهم ، فقال : دعوه ، فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم .

فبينا نحن كذلك ، إذ أنا بالحي قد جاؤوا بحذافيرهم ، وإذا أمي - وهي ظئري - أمام الحي تهتف بأعلى صوتها وهي تقول : يا ضعيفاه ، استضعفت من بين أصحابك ، وقتلت لضعفك ، فأكبوا علي ، وضموني إلى صدورهم ، وقبلوا رأسي ، وما بين عيني ، وقالوا : حبذا أنت من ضعيف ، وما أكرمك على الله ، ثم قالت : يا وحيداه ، فأكبوا علي ، وضموني إلى صدورهم ، وقالوا : حبذا أنت من وحيد ، وما أنت بوحيد ، إن الله معك وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض ، ثم قالت ظئري : يا يتيماه . فأكبوا علي وضموني إلى صدورهم ، وقبلوا رأسي وما بين عيني ، وقالوا : حبذا أنت من يتيم ، ما أكرمك على الله . فلما نظرت أمي - وهي ظئري - قالت : يا بني ألا أراك حيا بعد ، وضمتني إلى حجرها ، فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها قد ضمتني إليها ، وإن يدي لفي يد بعضهم ، وظننت أن القوم يبصرونهم ، فإذا هم لا يبصرونهم ، فقال بعض القوم : قد أصاب هذا الغلام طائف من الجن ، فاذهبوا به إلى كاهن ، حتى ينظر إليه ويداويه [ ص: 1426 ] فقلت : يا هناه ، إنى أجد نفسي سليمة ، وفؤادي صحيحا ، ليس بي قلبة ، فقال أبي : - وهو زوج ظئري - أما ترون كلامه كلام صحيح ، إنى أرجو أن لا يكون على ابني بأس ، فاتفق رأيهم على أن يذهبوا بي إلى الكاهن ، فاحتملوني ، فذهبوا بي إليه ، فقصوا عليه قصتي ، فقال : اسكتوا ، حتى أسأل الغلام ، فإنه أعلم بأمره منكم ، فسألني ، فقصصت عليه قصتي من أولها إلى آخرها ، فضمني إليه ، وقال : يا للعرب ! ، يا للعرب ! ، اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه ، واللات والعزى ، لئن تركتموه وأدرك ، ليخالفن دينكم ، ودين آبائكم ، وليخالفن أمركم ، وليأتينكم بدين لم تروا مثله ، فانتزعتني أمي من حجره ، وقالت : أنت أعته ، وأجن من ابني هذا ، ولو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به ، فاطلب لنفسك من يقتلك ، فإنا غير قاتلي هذا الغلام ، واحتملوني ، وأدوني إلى أهلي ، فأصبحت معزا مما فعل بي ، وأصبح أثر الشق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي ، كأنه الشراك ، فذلك يا أخا بني عامر : حقيقة قولي وبدو شأني .

فقال العامري : أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أن أمرك لحق . . .
وذكر الحديث .

التالي السابق


الخدمات العلمية