صفحة جزء
ذكر اختلاف أهل العلم في الجيش يلحق جيشا قد غنموا

اختلف أهل العلم فيمن لحق بجيش قد غنموا غنائم، فجاؤوهم بعد الفراغ من الحرب، فقالت طائفة: لا سهم لهم، واحتجت بقول عمر بن [ ص: 152 ] الخطاب : إن الغنيمة لمن شهد الوقعة .

6140 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن ابن التيمي، عن [ شعبة ] عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، أن عمر كتب إلى عمار: أن الغنيمة لمن شهد الوقعة .

وقال مالك بن أنس : لا أرى أن يقسم إلا لمن شهد القتال، وبه قال الليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور .

وقالت طائفة: في الجيش يدخل أرض الحرب فغنموا غنيمة، ثم يلحقهم جيش آخر قبل (يخرجوا) بها إلى دار الإسلام مددا لهم، ولم يلقوا عدوا حتى خرجوا إلى دار السلام، إنهم شركاء فيها، هذا قول النعمان، واحتج من قال بهذا القول بخبر منقطع عن عمر أنه [ ص: 153 ] كتب أن اقسم لمن جاء ما لم يتفقأ القتلى يعني ما لم تتفطر بطون القتلى، وهذا غير صحيح عن عمر; لأن الذي رواه الشعبي عنه، وهو لم يلقه .

واحتج بشيء رواه الحكم منقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم لجعفر وأصحابه من خيبر، وإنما قدموا بعد ما فتحت.

قال أبو بكر: وهذا منقطع غير ثابت، وقد احتج بعض من (يحوط) هذا القول، بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسهم لعثمان بن عفان من غنيمة بدر، وهو غائب، وجب أن يسهم للجيش الذين لحقوا بالآخرين، وأمر عثمان لا يشبه جيشا، يلحق جيشا قبل أن يقسموا الأموال بعدما غنموا، وحازوا الغنائم، وذلك أن عثمان بن عفان قد كان مقيما بالمدينة، يمرض ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى توفيت، فضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهمه، وكذلك فعل بالحديبية بايع له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان كمن شهد معه، وليس كذلك غير عثمان . [ ص: 154 ]

6141 - حدثنا زكريا بن داود، حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا معاوية بن عمرو، قال: حدثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق [عن] عثمان، أنه قال: أما قولة: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ماتت، وضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمي، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه فقد شهد .

6142 - حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن بشر، حدثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس، أنه قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إن عثمان في حاجة الله، وحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم .

قال أبو بكر: فأمر عثمان ليس مما ذكروه بسبيل من وجوه أحدها: أنه تخلف عن بدر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، (مقيم) بالمدينة، وهم لا يجعلون للمقيم بالمدن نصيبا في الغنيمة، وليس الجيش الذين لحقوا الجيش [ ص: 155 ] مقيمين، ولا يشبه أمرهم أمر عثمان، وكذلك لما خرج لحاجة الله وحاجة رسوله، وغاب عن بيعة الرضوان، فيما فيه صلاح للمسلمين، والقوم يلحقون الجيش، خارجون من هذا المعنى، والله أعلم .

وكان الشافعي يقول: ولو غزت جماعة باغية مع جماعة أهل العدل شركوهم في الغنيمة، وقال الأوزاعي في سرية خرجت فأخطأ بعضهم الطريق، ولقي بعضهم العدو، فأصابوا غنيمة، قال: تقسم فيهم جميعا .

التالي السابق


الخدمات العلمية