صفحة جزء
ذكر الحربي يصاب في دار الإسلام ويقول: جئت مستأمنا

اختلف أهل العلم في الحربي يوجد في دار الإسلام، ويقول: جئت مستأمنا، فقالت طائفة: الإمام في ذلك بالخيار يرى فيهم رأيه، كذلك قال مالك بن أنس، وقال الأوزاعي : إذا وجد ليس معه سلاح فأمره إلى الإمام، إن شاء قتله، وإن شاء استحياه . [ ص: 285 ]

وقال الأوزاعي : إذا قال: جئت رسولا، أو (بريدا لإمامكم) ، إن وجد ظاهرا، وكان معه كتاب، فالقول قوله وهو آمن، وإن لم يوجد معه كتاب وقال: جئت رسولا، قال: إن وجد ظاهرا أمن، أو رد إلى مأمنه، وإن قتله رجل وقد قال: (إني بريد) ، فعلى القاتل ديته .

وكان الشافعي يقول: إذا وجد الرجل من أهل الحرب على قارعة الطريق بغير سلاح، وقال: جئت رسولا مبلغا، قبل منه ولم يعرض له، فإن ارتيب به أحلف، فإذا حلف ترك، وهكذا لو كان معه سلاح، وكان منفردا ليس في جماعة يمتنع مثلها، فالقول قوله مع يمينه .

قال: وإذا أتى الرجل من أهل الشرك بغير عقد، عقد له المسلمون، فأراد المقام معهم، فهذه الدار لا تصلح إلا لمؤمن، أو معطي الجزية، فإن كان من أهل الكتاب قيل له: أد الجزية، وإلا فارجع إلى مأمنك، فإن استنظر فأحب إلي ألا ينظر إلا أربعة أشهر من قبل أن الله جعل المشركين أن يسيحوا أربعة أشهر، وأكثر ما يجعل له أن لا يبلغ به الحول; لأن الجزية في حول، فإن كان من أهل الأوثان فلا تؤخذ منه الجزية، ولا ينظر إلا دون الحول، وإذا دخل القوم من المشركين بتجارة ظاهرين فلا سبيل عليهم; لأن حال هؤلاء حال من لم يزل يؤمن من التجار، وإذا دخل الحربي دار الإسلام مشركا، ثم [ ص: 286 ] أسلم قبل أن يؤخذ فلا سبيل عليه، ولا على ماله، ولو قاتل فأسر، ثم أسلم بعد الإسار فهو فيء وماله، ولا سبيل على دمه للإسلام، وكذلك إذا أسلم ببلد الحرب; أحرز له إسلامه دمه وماله، ولم يكن عليه رق، وهكذا إن صلى فالصلاة من الإيمان; أمسك عنه .

وقال إسحاق في الرجل يوجد من أهل الشرك في أرض الإسلام بغير عهد: إذا جاء على وجه فداء أسارى، فإن لم يرد ذلك، رد إلى مأمنه .

وقال الزهري في رجل دخل أرض المسلمين تاجرا: لا يقتل، ولا يؤخذ ماله .

وقال أحمد: إذا أخذ الرجل من أهل الشرك بغير عهد: لا يقبل ذلك منه، إذا قال: جئت أستأمن .

وقال النعمان ويعقوب: إذا قال: أنا رسول الملك إلى والي المسلمين، وقد دخلت بغير أمان، ولا يعلم أنه رسول لم يقبل ذلك منه، وصار فيئا للمسلمين، وكذلك لو كان معه هدايا، فذكر أن ملك الروم أرسل بها معه هدية إلى والي المسلمين، لم يقبل ذلك منه، وصار فيئا للمسلمين، وإن علم أنه رسول الملك فهو آمن كان دخل بأمان أو غير أمان، ولا يعرض له، وإن كانت الهدية متاعا، أو سلاحا، أو رقيقا فهو كله حلال لوالي المسلمين . [ ص: 287 ]

وسئل مالك عن العلج يلقى في بلاد الروم [مقبلا] إلينا، فإذا أخذ قال: جئت أطلب الأمان، أترى أن يصدق؟ قال مالك : هذه أمور مشكلة، وأرى أن يرد إلى مأمنه .

وقالت طائفة: أمر الله بقتل المشركين حتى يسلموا، أو يؤدي أهل الكتاب الجزية، فمن وجد في بلاد المسلمين، فادعى أنه رسول، أو أنه دخل بأمان، سئل إقامة البينة على ذلك، فإن أقامها حقن دمه وخلي سبيله، وإن لم يقمها، فحكمه حكم سائر أهل الحرب، يظفر بهم [إمام] المسلمين فيه بالخيار إن شاء قتل، وإن شاء أرق، وإن [شاء] من عليه وأطلقه، وإن شاء فادى به، ومن حيث قال من خالف هذه المقالة: إن المسلم إذا وجد في دار الحرب في دين أهل الشرك، إن دمه محرم على الأصل، حتى يعلم انتقاله عن الحالة التي كان عليها، فكذلك هذا الحربي دمه مباح، وحكمه حكم أهل دار الحرب حيث يوجد، حتى يعلم له حالة، يجب الوقوف عن قتله بها .

التالي السابق


الخدمات العلمية