صفحة جزء
ذكر القضاء على الغائب والاختلاف فيه

اختلف أهل العلم في القضاء على الغائب. فقالت طائفة: لا يقضى على الغائب. كذلك قال شريح، وروينا عن عامر والقاسم أنهما لم يكونا يقبلان شهادة خصم إلا وخصمه معه. وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: إذا جاءك الخصم وعينه في كفه فلا تقض حتى يأتي خصمه. وقال ابن أبي ليلى والنعمان ويعقوب : لا يقضى على غائب. وقالت طائفة: القضاء على الغائب جائز .

وممن رأى ذلك مالك بن أنس والليث بن سعد وسوار القاضي وأبو ثور والمزني ، قال مالك في الغائب يكون عليه المال: يباع ماله فيقضى غرماؤه وإن [ ص: 580 ] كان غائبا. ابن نافع عنه، وقال ابن القاسم : سئل مالك عن الغائب: هل يقضى عليه؟ قال: أما الدين فإنه يقضى عليه، وأما كل شيء كانت له فيه حجج فإنه لا يقضى عليه .

وكان الشافعي يرى القضاء على الغائب ويجعل الذي قضى عليه على حجته يستأنف لها فإذا حضر أو وكيل له استأنف الحكم بينه وبين المقضي له. وكان أبو عبيد يرى القضاء على الغائب إذا تبين للحاكم إنما فراره واستخفاؤه إنما هو فرارا من الحق ومعاندة للخصم يعذر إليه فإن حضر وإلا حكم عليه .

قال أبو بكر : فاحتج بعض من لا يرى القضاء على الغائب من جهة الخبر بالحديث الذي:

6522 - حدثناه محمد بن علي ، قال: حدثنا سعيد ، قال: حدثنا شريك بن عبد الله ، عن سماك بن حرب ، عن حنش، عن علي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم فقلت: تبعثني إلى قوم ذوي أسنان وأنا حديث السن. قال: "إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما شيئا حتى تسمع من الآخر كما سمعت من [الأول] ، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء". قال: فما زلت قاضيا .

واحتج من النظر بأن الغائب قد يدلي بحجته لو حضر، فلما احتمل ذلك لم يجز القضاء عليه إلا بعد قدومه، وقد يجرح الشهود الذين شهدوا عليه، وإذا كان الخصم لو كان حاضرا لم يجز الحكم عليه حتى يستنطق [ ص: 581 ] فيقال ما تقول فيما يذكر خصمك، فإذا احتمل أن يكون للغائب حجة تخفى عليه لم يقض على غائب حتى يحضر فإما دفع عن نفسه وإما حكم بما يجب .

قال أبو بكر : أما احتجاج هذا القائل بخبر علي فإنما ذلك في الخصمين اللذين يحضران الإمام جميعا ألا تراه يقول: "إذا جلس إليك" وليس هذا من باب القضاء على الغائب بسبيل، وأما قول من قال: قد يدلي الغائب بحجة. فقد يدلي بحجة ولا يدلي، وغير جائز دفع البينة الثابتة بقول قائل لعل، وقل شيء إلا وهو يمكن أن يقال فيه لعل، ولا يجوز ترك ما يجب بلعل، فأما ما احتج به من رأى أن يقضى على الغائب، فمما احتجوا به خبر هند لما جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس لي إلا ما أدخل بيتي. فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" .

وأبو سفيان في ذلك الوقت ليس بحاضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى رسول الله لما علم ما يجب لها عليه حكم عليه بذلك ولم ينتظر حضوره، ولعله لو حضر أدلى بحجة فلم يؤخر الحكم عليه بل أمرها بالذي أمرها به وحكم عليه وهو غائب بالذي يجب .

ومما يحتج به في الحكم على الغائب خبر أبي موسى :

6523 - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: حدثنا الحسن بن علي ، قال: حدثنا محمد بن عيسى ، قال: حدثنا خالد بن نافع ، قال: حدثنا سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه، عن معاوية أنه قال لأبي موسى : أنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اختصم إليه الخصمان [ ص: 582 ] فاتعدا الموعد فوافى أحدهما ولم يواف الآخر قضى للذي وافى منهما؟ قال أبو موسى : نعم .

قال أبو بكر : فإذا صح عند الحاكم حق الخصم وثبتت البينة له بحق وغاب صاحب الحق فإن كان الخصم حاضرا ممتنعا بعث إلى بابه ونادى به وعرفه أن الحق قد ثبت عليه وتوجه، وإن حضر فأمكنه الدفع عن نفسه فليفعل، وإن لم يحضر نفذ الحكم عليه، وذلك بعد أن تقرر البينة بالنداء على بابه وإن كان غائبا عن البلد وقد طالت غيبته أو لم تطل وثبت الحق عليه حكم عليه بالذي يجب، وجعل كل ذي حجة على حجته إذا حضر، وجعل فيه كتابا يذكر فيه من أي جهة حكم عليه ليدلي بحجته إن كانت عنده إذ حضر .

ومما يحتج به في هذا الباب أن الله - جل ذكره - حصن الأموال بالشهود، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي لم يخص بذلك حاضر دون غائب. فالحكم بذلك يجب على العموم غائبا الذي يجب عليه الحق، أم حاضرا لدخول الجميع في جملة من أمر النبي صلى الله عليه وسلم مما يحكم عليه ليس لأحد أن يستثني من جملة الخبر شيئا إلا بحجة يحتج بها، ومما يحتج به في الباب حكمهم على حاضر قاتل ثبت عليه البينة أنه قتل ابنا لزيد، وحضر زيد فطالب بدمه وسكت القاتل فلم يتكلم، أن القود يجب عليه وإن سكت، ولا يبطل الحق بسكوته. وكذلك إيجابهم الحقوق في أموال الأطفال والمجانين إذا كانوا في جملة من لا معنى لسؤاله فكذلك القول بظاهر [ ص: 583 ] الكتاب والسنة يجب على الغائب الذي لا سبيل إلى سؤاله ومخاطبته في وقت الحكم كما لا سبيل إلى سؤال المجنون في حال الجنون والطفولية، وقد يموت الغائب قبل قدومه، ويموت الطفل قبل يبلغ والمجنون قبل يفيق، ولما لم يقولوا إن البينة إذا ثبتت على المجنون والطفل توقف إلى أن يوجد السبيل إلى مخاطبته ببلوغ أحدهما إذا فاته الآخر، فكذلك لا معنى لانتظار الغائب وإيقاف البينة التي ثبتت عليه إلى أن يقدم وكل ما أمكن في أحدهما معنى أمكن في الآخر مثله مع أن المناقضة لا تفارق أصحاب الرأي في مذهبهم، لأنهم قالوا في الرجل يغيب عن بلده ويدع امرأته بغير نفقة ولا كسوة أو يدع الأطفال من أولاده بلا نفقة فيقضي الحاكم بنفقة من يجب له منهم النفقة في ماله بالمعروف. ولا يدع ذلك لغيبته، فإن لم يكن له مال حاضر يقدر عليه القاضي أمر المرأة أن تدان وتنفق على نفسها بالمعروف ثم يأخذه به إذا قدم .

فهذه المسألة مما ترك أصحاب الرأي أصولهم فيه؛ لأنهم زعموا أنهم لا يقضون على الغائب، وهذا غائب قد حكموا عليه، ولعل الزوج إذا حضر أن يقول قد دفعت إليها النفقة، ويأتي على ذلك ببينة ولو كان للحل معنى يجوز أن يحتج به محتج في ترك القضاء على الغائب لكان هذا في هذا الموضع يحتج به، وزعموا أنهم يقضون للمرأة والوالدين والولد على أن الذي عنده المال للغائب إذا أقر به ولا يقضون للأخ والأخت ولا لذي رحم محرم، ووجوب نفقات هؤلاء عندهم كوجوب نفقات الآباء والأبناء والزوجات، وزعم بعض [ ص: 584 ] من أنكر القضاء على الغائب أن رجلا لو ادعى وكالة من غائب وأثبت الوكالة فأراد بيع أمواله من عقار ورقيق وغير ذلك، أن ذلك له إذا قدم رجلا يدعي قبل الغائب الموكل مالا، وهذا ترك منهم لأصولهم، وقد يجوز أن يكون الغائب إذا قدم أنكر ذلك، وجاء بحجة تدفع ما قال من جرح البينة أو إقامة البينة على نسخ الوكالة، وقد ذكرت باقي المسائل التي تركوا فيها أصولهم وحكموا على الغائب في مواضع كثيرة طلب الاختصار وكراهية التطويل .

التالي السابق


الخدمات العلمية