صفحة جزء
ذكر الحكم بين أهل الكتاب

اختلف أهل العلم في الحكم بين أهل الكتاب، فقالت طائفة: الإمام بالخيار إن شاء حكم بينهم وإن شاء تركهم وحكامهم. فممن قال إن الإمام بالخيار فيه: عطاء بن أبي رباح ، وإبراهيم النخعي ، والشعبي ، والحسن البصري ، وبه قال مالك ومن تبعه من أهل المدينة ، وكذلك قال أبو ثور ، وقال مالك بعد أن ذكر كلاما: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم في اليهوديين اللذين رجم، لأنهم حكموه وليسوا أهل ذمة قبل أن ينزل القرآن. قال: فأما جراحهم فيما بينهم فأرى أن يحكم فيه أهل الإسلام، لأنهم إن تركوا يجرح بعضهم بعضا أضر ذلك بالمسلمين. واختلف قول الشافعي في هذه المسألة فحكى الحسن بن محمد عنه أنه [ ص: 585 ] قال: ليس لحكام المسلمين أن يكشفوا أهل الذمة عما بينهم من المخامرة والمعاملة وغيرها، فإن جاء مستعد على أحدهم لم يحكم بينهم حتى يجمع المستعدي والمستعدى عليه جميعا بالرضا فإذا اجتمعا فللحاكم الخيار إن شاء حكم وإن شاء أن يردهم إلى أهل دينهم فيحكم بينهم حكامهم فعل، وردهم أحب الأمرين إلينا، فإن حكم فلا يحكم حتى يعلمهم أنهم يحكمون بحكم الإسلام، فإذا رضوا فليس له أن يحكم إلا بكتاب الله وسنة رسوله، واحتج بقوله ( فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) إلى قوله ( بالقسط ) وإنما يلزم المسلمين الحكم بينهم إذا كان لأحد منهم على مسلم حق أو كان لمسلم عليه، ولا يجوز أن يحكم للمسلم ولا عليه مشرك، ثم قال بمصر: وإن تداعوا إلى حكامنا فجاء المتنازعون معا متراضين فالحاكم بالخيار إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم، وأحب إلينا أن لا يحكم. [قال هذا] في كتاب اليمين مع الشاهد، وقال في كتاب الحدود: ولا يحكم بين أهل الكتاب إلا أن يأتونا راغبين، فإن فعلوا قلنا: الخيار أن نحكم أو ندع، فإن حكمنا حكمنا بحكم الإسلام. قال: ويحتمل قول الله ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) إن حكمت. وذكر حديث محمد بن أبي بكر : [ ص: 586 ] .

6524 - حدثنا موسى بن هارون ، قال: حدثنا أبو بكر ، قال: حدثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن قابوس بن المخارق، عن أبيه قال: بعث علي محمد بن أبي بكر أميرا على مصر فكتب محمد إلى علي يسأله عن رجل مسلم فجر بنصرانية، فكتب علي : أن أقم الحد على المسلم الذي فجر بالنصرانية، وادفع النصرانية إلى النصارى يقضون فيها ما شاؤوا .

وقال في كتاب الجزية قال الله - جل ذكره - : ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) قال الشافعي : فكأن الصغار - والله أعلم - أن يجري عليهم حكم الإسلام. وذكر قوله ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) (فكان ظاهر ما عرفنا أن يحكم بينهم) والله أعلم، فإذا جاءت امرأة رجل منهم تستعدي عليه بأنه طلقها، أو آلى منها حكمت عليه كحكمي على المسلمين فألزمته الطلاق وفيئة الإيلاء فإن فاء وإلا أخذته بأن يطلق. وقال: وإذا وادع الإمام قوما من أهل الشرك ولم يشترط أن يجري عليهم الحكم ثم جاؤوا متحاكمين فهو بالخيار بين أن يحكم بينهم أو يدع الحكم فإن اختار أن يحكم بينهم [حكم] بينهم حكمه بين المسلمين لقول الله ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) والقسط حكم الله الذي أنزله عليه وليس للإمام الخيار في أحد من المعاهدين الذين [ ص: 587 ] يجري عليهم الحكم إذا جاؤوه في حد الله وعليه أن يقيمه .

وقالت طائفة: إذا تحاكموا إلينا فعلى الإمام أن يحكم بينهم، ونسخت هذه الآية ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) .

6525 - حدثنا محمد بن نصر، قال: حدثنا إسحاق ، قال: أخبرنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا يزيد النحوي، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: ( ما ننسخ من آية أو ننسها ) .... الآية، قال ( فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) قال: نسختها هذه الآية ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) .

6526 - وحدثنا علي ، قال: حدثنا أبو عبيد : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء ، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) قال: نسختها قوله: ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) .

وممن قال بمثل قول ابن عباس : عكرمة ، ومجاهد ، وإبراهيم النخعي ، والشعبي ، وقتادة ، وعطاء الخراساني، والأوزاعي ، وأصحاب [ ص: 588 ] الرأي، وأبو عبيد القاسم بن سلام. وقال سعيد بن جبير في قتل أهل الذمة: وإذا ارتفعوا إلى حكام المسلمين فليحكم بينهم بكتاب الله. وكذلك قال الزهري ، وقد احتج بعض من رأى أن الإمام بالخيار إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم، بأخبار رويت فيه أن المائدة لم ينسخ منها شيء .

6527 - حدثنا علي ، عن أبي عبيد ، قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير، هل تقرأ المائدة؟ قلت: نعم، قالت: إنها من آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه .

وقال عمرو بن شرحبيل والحسن البصري : لم ينسخ من المائدة شيء .

قال أبو بكر : وقد خالف عائشة عثمان والبراء بن عازب:

6528 - حدثنا موسى ، قال: حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال: آخر سورة نزلت كاملة براءة .

6529 - حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال: حدثنا هوذة ، قال: حدثنا [ ص: 589 ] عوف، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس ، عن عثمان قال: كانت براءة من آخر القرآن نزولا .

وقال بعض من قال: لا خيار للحاكم بالحكم بينهم أن قوله ( لا تحلوا شعائر الله ) منسوخ، لأن القتال في الشهر الحرام مباح، نسخه قوله ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وابن عباس ممن شهد التنزيل وممن تقدم في المعرفة بعلم القرآن يقول: قوله ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) منسوخ .

وقال قائل: خير الله نبيه في قوله ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) ثم خبر أن إعراضه عنهم غير ضائر له، قال: فلو كان الحكم بينهم واجبا [ ص: 590 ] لضره الإعراض عنهم. قال: ومن الدليل على أن الأمير يخير في الحكم [بينهم] أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان بالمدينة ومعه بها وفي نواحيها وبخيبر وفدك ووادي القرى وغيرها أهل ذمة وذوو أموال، وكانوا مع الصديق بعد النبي صلى الله عليه وسلم ومع الفاروق صدرا من خلافته حتى أجلاهم، وكانوا في خلافته بالشام والعراق وغيرهما، فما نقل خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه الراشدين المهديين أن أحدا منهم حكم على أحد من أهل الذمة بحضرته، ولا كتب إلى عامل من عماله يأمره بالحكم بينهم غير ما كان من رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين، ومعلوم أنه قد كان بينهم ما يكون بين الناس من التنازع والتظالم، ففي ذلك ما يدل على أن الحكم بينهم لم يكن واجبا عليهم. وذكر حديث محمد بن أبي بكر أنه كتب إلى علي يسأله عن المسلم الذي زنى بالنصرانية وقال: هذا القائل: إن حديث عمر أنه كتب أن يفرق بين كل ذي رحم من المجوس ومحرمه لا يثبت، لأن الناقل للخبر بجالة كاتب جزء بن [ ص: 591 ] معاوية وبجالة مجهول، ولو كان الخبر ثابتا لكان من خالفنا تاركا له، لأنه لا يرى أن يتبعوا في مواضعهم يحكم بينهم، وقال هذا القائل في قوله ( واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم ) دلالة على أنهم إن تولوا لم يكن عليه الحكم بينهم، ولو كان قوله: ( وأن احكم بينهم ) إيجابا لألزمه الحكم وإن تولوا، وقال: إن تولوا قبل أن يأتوا ولو كان قوله: ( وأن احكم بينهم ) يأمره بالحكم لا أنه مخير لكان الواجب عليه أن يتفقد منهم ما أقاموا عليه مما يحرم عليهم وإن [تولى] عنه زوجان على حرام ردهما حتى يفرق بينهما كما يرد زوجين من المسلمين لو توليا عنه وهما على حرام، فلما وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم أقر الكفار على ما كانوا عليه ولم يتبعهم كما يتبع المسلمين إذا تولوا علمنا أن الحكم على المسلمين واجب عليه وأنه مخير في الحكم على أهل الذمة، وإذا كان كذلك فإن قوله: ( وأن احكم بينهم ) على معنى إن حكمت، لا أن الفرض عليه أن يحكم بينهم، ويقال لمن خالف هذا: [ ص: 592 ] قد أقررت أن الله قد جعل له الخيار في ذلك ثم ادعيت أنه نسخه بقوله: ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) فالحكم الذي ثبت بنص الكتاب، وباتفاق من الجميع لا يجب أن يزول ويكون منسوخا باختلاف ولا دليل مع مدعيه. فإن قال قائل: في حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالرجم على اليهوديين دلالة على أن الواجب كان عليه أن يحكم بينهم فرضا. قيل له: الأخبار الثابتة تدل على أنه إنما حكم عليهما بالرجم قبل نزول الآيات التي جعل فيها مخيرا في الحكم بينهم، وذكر حديث أبي هريرة :

6530 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال: حدثنا أحمد بن محمد ، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، عن ابن شهاب أنه سمع رجلا من مزينة من أهل العلم يحدث سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثه أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت [المدراس] حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقد زنى رجل بعد إحصانه بامرأة من يهود قد أحصنت، فقالوا: ابعثوا هذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد فاسألوه كيف الحكم فيهما وولوه الحكم عليهما، فإن عمل فيهما بعملكم من التجبية - والتجبية الجلد بحبل من ليف يطلى بقار ثم تسود وجوههما ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل أدبار الحمارين - فاتبعوه فإنما هو ملك صدقوه، وإن حكم فيهما بالرجم فإنه نبي فاحذروه على ما في أيديكم أن [يسلبكموه]. فأتوه فقالوا: يا محمد ، هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت فاحكم فيهما فقد وليناك الحكم [ ص: 593 ] بينهما. قال: فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم في بيت [المدراس] فقال: "يا معشر يهود، أخرجوا إلي علماءكم". فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا - قال ابن إسحاق : وحدثني بعض بني قريظة أنهم أخرجوا يومئذ مع ابن صوريا أبا ياسر بن أخطب ووهب بن يهوذا - فقالوا: هؤلاء علماؤنا. فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جعل أمرهم إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا : هذا أعلم من بقي ( بالمدينة ) .

فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان غلاما شابا من أحدثهم سنا فألظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة يقول: "يا ابن صوريا ، أنشدك الله وأذكرك أياديه عند بني إسرائيل أما تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟" فقال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعرفون أنك نبي مرسل ولكنهم يحسدونك. قال فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بهما فرجما عند باب مسجده في بني عثمان بن مالك بن النجار، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا وجحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيهم ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) إلى قوله ( سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ) يعني الذين بعثوا منهم من بعثوا وتخلفوا وأمروهم بما أمروهم به من تحريف الكلم عن مواضعه قال: ( يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا ) التجبية ( فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ) إلى آخر القصة
. [ ص: 594 ]

قال أبو بكر : والحكم بينهم وترك ردهم أحب إلي لأن في ذلك منعا للظالم من الظلم، ودفعا للمظلوم، وكما أنصرهم من غيرهم إذا أرادهم كذلك أنصر المظلوم منهم من الظالم .

التالي السابق


الخدمات العلمية