صفحة جزء
ذكر الأشياء التي اختلف في وجوب الطهارة منها [ ذكر الوضوء من مس الذكر ]

اختلف أهل العلم في وجوب الطهارة من مس الذكر، فقالت طائفة: إذا مس ذكره توضأ، روي هذا القول عن: عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وابن عباس، وكان ابن عمر يتوضأ من مس الذكر.

83 - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، نا إبراهيم بن المنذر، حدثني ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث، عن جعفر بن ربيعة، عن عمارة بن عبد الله بن طعمة، عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر: من مس فرجه فليتوضأ.

[ ص: 301 ]

84 - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أنه قال إن عبد الله بن عمر كان يغتسل ثم يتوضأ، فقلت له يا أبت: أما يجزيك الغسل من الوضوء؟ قال: بلى، ولكني أحيانا أمس ذكري فأتوضأ.

85 - حدثنا علي، أنا القعنبي عن مالك، عن نافع، أن ابن عمر، كان يقول: إذا مس الرجل فرجه فقد وجب عليه الوضوء.

86 - حدثنا علي، ثنا القعنبي، عن مالك، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن مصعب بن سعد، أنه قال: كنت أمسك المصحف على أبي سعد، فاحتككت، فقال: "لعلك مسست ذكرك" قلت: نعم، قال: "فقم فتوضأ" ، فقمت فتوضأت، ثم رجعت.

87 - حدثنا يحيى بن محمد، نا مسدد، نا أمية بن خالد، نا [ عمر ] بن أبي وهب الخزاعي، عن جميل، عن أبي وهب، عن أبي هريرة، قال: "من مس ذكره فليتوضأ، ومن مسه فوق الثوب فلا يتوضأ" .

[ ص: 302 ]

88 - حدثنا محمد بن علي، ثنا سعيد، ثنا عتاب بن بشر، أنا خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، في مس الذكر قال: "إن عركته عرك الأديم فتوضأ، وإلا فلا" .

وبه قال: عطاء، وسعيد بن المسيب، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، والزهري، وروي ذلك عن: أبي العالية، ومجاهد.

وقال جابر بن زيد: إذا مسه متعمدا أعاد.

وكان الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور يوجبون الوضوء من مس الذكر.

واختلفت الرواية فيه عن مالك، فحكى ابن القاسم عنه أنه لا ينتقض الوضوء من مس شرج ولا رفغ إلا من مس الذكر وحده.

[ ص: 303 ] قال أبو بكر: وهذا القول المشهور عند أصحابه عنه .

وحكى يونس، عن أشهب، عن مالك أنه سئل عمن صلى وقد مس ذكره؟، قال: لا إعادة عليه.

قال أبو بكر: واحتج الشافعي وغيره من أصحابنا في إيجابهم الوضوء من مس الذكر بحديث بسرة بنت صفوان.

89 - أخبرنا الربيع، نا الشافعي، نا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، أنه سمع عروة بن الزبير، يقول: دخلت على مروان بن الحكم فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: من مس الذكر الوضوء، فقال عروة: ما علمت ذلك، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" .

قال أبو بكر: وقد اختلف في إسناد حديث عروة، فقال ابن جريج: عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، عن بسرة، أو عن زيد بن خالد.

وقال معمر: عن الزهري، [ عن عروة ] عن مروان، عن بسرة، [ ص: 304 ] قال: وقال عمر بن (سريج) ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.

وقال هشام بن زياد: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أروى بنت أنيس، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال آخر: عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، عن أبي أيوب.

[ ص: 305 ] وقد تكلم في هذا الإسناد، والله أعلم.

وقالت طائفة: ليس في مس الذكر وضوء، روينا هذا القول عن: علي، وعمار، وابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء، وسأل رجل سعد بن أبي وقاص عن مس الذكر في الصلاة، فقال: إن علمت أن منك بضعة نجسة فاقطعها.

وقال الحسن:[ اجتمع ] رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم من يقول: ما أبالي إياه مسست، أو [ مسست ] أذني، أو ركبتي، أو فخذي.

90 - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: ما أبالي إياه مسست، أو أذني، إذا لم أكن أعمد لذلك.

قال أبو بكر: وروى هذا الحديث:

91 - بندار، عن يحيى وسفيان، عن مسعر، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن علي، في مس [ الذكر ] قال أحدهما: ما أبالي إياه مسست أو أنفي، وقال الآخر: أو أذني.

92 - حدثنا محمد بن يحيى، نا الحجبي، نا أبو عوانة، عن منصور، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن أرقم بن شرحبيل، قال: قلت لعبد الله بن [ ص: 306 ] مسعود: حكني بعض جسدي في الصلاة، فأفضيت إلى ذكري؟ قال: فقال: "فاقطعه فاطرحه، هل هو إلا بضعة منك؟! .

93 - حدثنا محمد بن علي، نا سعيد، نا هشيم، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان لا يرى في مس الذكر وضوءا.

94 - حدثنا محمد بن عبد الوهاب، أنا يعلى بن عبيد، نا إسماعيل، عن قيس، قال: سأل رجل سعد بن أبي وقاص عن مس الذكر في الصلاة؟ فقال: إن علمت أن منك بضعة [ نجسة ] فاقطعها.

95 - حدثنا علي بن الحسن، نا أبو نعيم، نا مسعر، عن عمير بن (سعد) ، قال: كنت جالسا في مجلس عمار، وتذاكروا مس الذكر، فقال: ما هو إلا بضعة منك ، وإن [ لكفك ] موضعا غيره.

[ ص: 307 ]

96 - حدثنا علي بن الحسن، نا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، نا إياد بن لقيط السدوسي، نا البراء بن قيس، قال: سمعت حذيفة، وسأله رجل عن مس الذكر في الصلاة؟ فقال: "ما أبالي إياه مسست أو أنفي" .

97 - حدثنا إسحاق، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، قال: "ما أبالي إياه مسست أم فخذي" .

98 - حدثنا محمد بن علي، نا سعيد، نا إسماعيل بن عياش، عن [ حريز ] بن عثمان، عن حبيب بن عبيد، عن أبي الدرداء، أنه سئل عن مس الذكر؟ فقال: إنما هو بضعة منك.

99 - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن الحسن، قال: [ اجتمع ] رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم من يقول: ما أبالي إياه مسست أو مسست أذني، أو ركبتي، أو فخذي.

[ ص: 308 ] وكان سعيد بن المسيب يراه كبعض جسده لا يتوضأ منه، وهو مختلف عنه فيه.

وكان الحسن وقتادة لا يريان منه وضوءا، وقال سعيد بن جبير: إنما هو بضعة منك، وهذا قول الثوري، وأصحاب الرأي.

وقد احتج بعض من يقول بهذا القول بحديث قيس بن طلق.

100 - حدثنا محمد بن عبد الوهاب، نا محاضر بن مورع، نا هشام بن حسان، عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق؛ أنه سمع رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: توضأت فمسست ذكري - أو أتوضأ فأمس ذكري - ، قال: "هو منك" .

[ ص: 309 ]

101 - حدثنا أبو أحمد، أنا الحسين بن الوليد، نا عكرمة بن عمار، عن قيس بن طلق؛ أن طلقا، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يمس ذكره وهو في الصلاة. فقال: "لا بأس به؛ إنما هو كبعض جسدك" .

وقال بعض من يقول بهذا القول: (وقد أجمع أهل العلم على أن) لا وضوء على من مس بولا أو غائطا أو دما، فمس الذكر أولى أن لا يوجب وضوءا ، ولا اختلاف بين أهل العلم أن الذكر إذا مس الفخذ لا يوجب وضوءا، ولا فرق بين الفخذ واليد، وتكلموا في حديث بسرة.

وحكى أحمد بن علي الوراق أنه سمع أحمد قال: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من مس ذكره فليتوضأ" ، وروي عنه أنه قال: "إنما هو بضعة منك"، وكلا الحديثين فيهما شيء إلا أني أذهب إلى الوضوء منه.

وحكى رجاء المروزي، عن أحمد، وابن معين أنهما اجتمعا فتذاكرا الوضوء من مس الذكر، فكان أحمد يرى منه الوضوء، ويحيى لا يرى ذلك، وتكلما في الأخبار التي رويت في ذلك، فحصل أمرهما على [ ص: 310 ] أن اتفقا على إسقاط الاحتجاج بالخبرين معا - خبر بسرة وخبر قيس - ثم صارا إلى الأخبار التي رويت عن الصحابة، فصار أمرهما إلى أن احتج أحمد بحديث ابن عمر فلم يمكن يحيى دفعه، واحتج يحيى في الرخصة ببعض الأخبار التي رويت عن الصحابة في ذلك.

وحكي عن ابن المبارك أنه قال: ليس في نفسي شيء، من مس ذكره أنه ليس عليه وضوء.

وقال بعضهم أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا توضأ فهو طاهر، واختلفوا في انتقاض طهارة من مس ذكره، وقد اختلفت الأخبار فيه، فلا وجه لنقض الطهارة المجمع عليها إلا بخبر لا معارض له.

102 - وحكى يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، قال: أخبرني (ابن زيد) ، عن ربيعة، أنه كان يقول: لو وضعت يدي في دم خنزير أو (جيفة) ما نقض وضوئي، فمس الذكر أيسر من الدم.

قال: وكان ربيعة يقول: ويحكم مثل هذا يأخذ به أحد؟! أو يعمل به - بحديث بسرة - ؟ والله لو أن بسرة شهدت على هذا النعل ما أجزت شهادتها، إنما قوام الدين الصلاة، وقوام الصلاة الطهور، فلم يكن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقيم هذا الدين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بسرة؟!.

[ ص: 311 ] قال أبو بكر: إذا لم يثبت حديث بسرة، فالنظر يدل على أن الوضوء من مس الذكر غير واجب، ولو توضأ من مس ذكره احتياطا كان ذلك حسنا، وإن لم يفعل فلا شيء عليه.

التالي السابق


الخدمات العلمية