صفحة جزء
كتاب الرجعة

قال الله - جل من قائل - ( وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ) .

وأجمعوا أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين أنه أحق برجعتها حتى تنقضي العدة .

وقال كل من نحفظ عنه من أهل العلم في قوله: ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) أنها الرجعة .

ذكر الإشهاد عند الرجعة

قال الله - جل من قائل - : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) ولم يختلف أهل العلم أن السنة في الرجعة أن تكون بالإشهاد عليها، ومما ذكرنا [ ص: 580 ] من كتاب الله - تعالى - مع إجماع أهل العلم عليه كفاية عن ذكر أقاويل المتقدمين والمتأخرين من أهل العلم في أمرهم بالإشهاد على الرجعة .

واختلف أهل العلم فيما يكون به الرجل مراجعا لزوجته المطلقة واحدة أو اثنين. فقالت طائفة: إذا جامعها فقد راجعها. كذلك قال سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، والزهري، ومحمد بن سيرين، قالوا: ويشهد .

وهذا قول سفيان الثوري، وأصحاب الرأي .

وقال الأوزاعي : إذا جامعها فقد راجعها .

وقال ابن أبي ليلى : الجماع رجعة كانت هناك نية أو لم تكن .

وكان إبراهيم النخعي يقول: إذا جامع فدخوله رجعة .

وقالت طائفة: إنما يكون الجماع رجعة إذا أراد به رجعة. كذلك قال مالك .

وقال إسحاق بن راهويه : إن وطئها يريد به الرجعة كانت مراجعة .

وكان سفيان الثوري يقول: إذا قبل أو لمس أو باشر فهو رجعة .

وكذلك قال أصحاب الرأي وإذا كان ذلك لشهوة .

وقالت طائفة: النظر إلى الفرج للشهوة رجعة، ولا يكون في النظر إلى شيء من الجسد ما خلا الفرج رجعة. هذا قول أصحاب الرأي . [ ص: 581 ]

وفي قول مالك والشافعي وأبي ثور وإسحاق وأبي عبيد: لا يكون ذلك رجعة .

قال أبو عبيد: نرى الجماع ارتجاعا فأما ما دونه فلا نراه شيئا .

وقالت طائفة: لا تثبت الرجعة حتى يتكلم بالرجعة، كما لا يكون نكاح ولا طلاق حتى يتكلم بهما، والكلام بذلك أن يقول: قد راجعتها أو ارتجعتها أو قد رددتها إلي فإذا تكلم بهذا فهي رجعة. هذا قول الشافعي . وبه قال أبو ثور .

وقال أبو قلابة: إذا رجع بلسانه فهي رجعة .

وقال جابر بن زيد: القول رجعة .

وقال مالك: إذا ... تكلم بالرجعة ومن نيته الرجعة فهي رجعة ويشهد .

وقال أصحاب الرأي: إذا أراد الرجل أن يراجع امرأته قبل انقضاء العدة فأحسن ذلك أن لا يغشاها حتى يشهد شاهدين على رجعتها .

وقد احتج بعض من يرى أن الرجعة باللسان دون غيره بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: "مره فليراجعها" قال: فمعنى ذلك أنه باللسان، والدليل على أن ذلك كذلك أخذ ابن عمر لما طلق زوجته من أدبار البيوت إلى المسجد كراهية أن يستأذن عليها حتى راجعها .

وأجمع أهل العلم على ثبوت الرجعة إذا كانت في العدة وإن كرهت المرأة ذلك . [ ص: 582 ]

وأجمعوا كذلك أن الرجعة ثابتة بغير مهر ولا عوض لا أعلم في ذلك اختلافا .

وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المطلق إذا ادعى بعد انقضاء العدة أنه كان راجعها في العدة وأنكرت، فالقول قولها مع يمينها ولا سبيل له عليها. كذلك قال النخعي والزهري والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، غير أن النعمان كان يقول: لا يمين في النكاح ولا في الرجعة، وفي قول يعقوب ومحمد: يستحلف. ولم يذكر النخعي والثوري اليمين .

وكان الشافعي يقول: إذا قال: إذا كان غدا فقد راجعتك، فلا رجعة .

وكذلك قال أبو ثور وأصحاب الرأي، وإذا قال لها وهي في العدة: قد كنت راجعتك أمس وأنكرت المرأة فالقول قوله إذا كان له أن يراجعها في العدة فأخبر أن قد جعل بالأمس كابتدائه الفعل الآن هكذا قال الشافعي وبه قال ابن القاسم صاحب مالك وأصحاب الرأي .

وإذا كانت الزوجة أمة فاختلف المولى والجارية والزوج يدعي الرجعة وذلك بعد انقضاء العدة قال: قد كنت راجعتك في العدة [ ص: 583 ] وأنكرت ذلك وأقر المولى، فالقول قول الأمة وإن كذبها مولاها. هكذا قال الشافعي وأبو ثور والنعمان .

وقال يعقوب ومحمد: القول قول المولى، وهي امرأته وهو أحق بها .

التالي السابق


الخدمات العلمية