صفحة جزء
ذكر اختلاف أهل العلم في إقسام الرجل على أخيه

واختلفوا في الرجل يقسم على الرجل، فقالت طائفة: إذا أحنثه فالكفارة على المقسم، روينا هذا القول عن ابن عمر .

8882 - حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن عبد الله بن عمر ، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا [قال] أقسمت عليك بالله: فينبغي له أن لا يحنثه، فإن فعل كفر الذي حلف.

وبه قال عطاء وقتادة والأوزاعي ، وروي معناه عن أبي العالية ، وقال قتادة : لا يكون يمينا حتى يقول: أقسمت عليك بالله.

قال أبو عبيد : وقول أهل المدينة في هذا الباب على نحو مذهبهم في الباب الأول إن كان [قال] : أقسمت عليك لتفعلن كذا، ولم يقل "بالله" لم يكن عليه في قول أهل الحجاز كفارة، وكانت عليه الكفارة في قول أهل العراق ، والذي عندنا في هذا ما عليه أهل المدينة للحديث الذي في إقسام أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم.

قال أبو بكر : وقد اختلف فيه عن الحسن البصري ، فروينا عنه أنه قال: إذا أقسم على غيره فأحنثه فلا كفارة عليه، وروينا عنه أنه قال: الكفارة على المقسم.

وروينا عن عائشة بإسناد لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "فإنما الحنث على الذي يحنث صاحبه". [ ص: 104 ]

8883 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال: حدثنا حجاج بن منهال ، قال: حدثنا حماد، عن ليث بن أبي سليم، عن القاسم ، عن عائشة .

قال أبو بكر : هذا خبر لا يثبت؛ لأن الذي رواه ليث بن أبي سليم، وليث لا يحتج بخبره، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لا يعلم سماعه من عائشة ، ولا أحسبه رآها.

وقد احتج بعض أصحابنا للقول الأول بحجج، فمما احتج به أن قال: يجب على من زعم أن الكفارة على المقسم عليه أن يوجب الكفارة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن أبا بكر أقسم عليه أن يخبره فلم يخبره بكل ما سأله عنه، وقال: "لا تقسم" وكذلك قصة أبي ذر في أمر ليلة القدر.

وقد احتج هذا القائل في هذا بأخبار منها خبر أنس بن مالك . [ ص: 105 ]

8884 - حدثني محمد بن إسماعيل ، قال: حدثنا محمد بن عزيز، قال: حدثنا سلامة، قال حدثني عقيل، عن ابن شهاب ، عن أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبر قسمه، منهم البراء بن مالك" وإن البراء لقي زحفا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين، قالوا له: يا براء، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو أقسمت على الله لأبرك، فأقسم على ربك، فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، فمنحوا أكتافهم، ثم التقوا على قنطرة السوس، فأوجعوا في المسلمين [فقالوا] أقسم يا براء على ربك، فقال: (أقسمت) عليك رب لما منحتنا أكتافهم، وألحقني بنبيي، فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيدا.

8885 - حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة ، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس: أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا، فاختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "القصاص، القصاص كتاب الله" فقالت أم الربيع : يا رسول الله، أيقتص من فلانة؟! والله لا يقص منها أبدا! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "سبحان الله يا أم [ ص: 106 ] الربيع ، القصاص كتاب الله" فقالت: لا والله لا (يقص) فما زالت حتى قبلوا الدية، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره".

قال أبو بكر : قال هذا القائل: فهل يجوز لأحد [يفهم] شيئا من دين الله أن يضمر أو ينطق أن مقسما لو أقسم على الله فلم يبر الله قسمه أن يقول ما لا يحل النطق به.

قال أبو بكر : وقد روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من استعاذ بالله فأعيذوه" وجعلوا معنى هذا الحديث على الندب لا على الفرض؛ لأن ذلك لو جاز لما شاء رجل أن يسأل آخر أن يخرج له من كل ما يملك ويطلق زوجته، ثم يتعدى بالقول إلى أن يقول للإمام في حد أصابه أسقط ذلك عني، ثم يكون في ذلك تعطيل الحدود، وترك الاقتصاص فيما فيه القصاص، وإذا لم يجز ذلك لم يكن معنى ذلك إلا ندبا فيما يجوز الوقوف عنه دون ما لا يجوز تعطيله، والله أعلم.

8886 - حدثنا يحيى بن محمد ، قال: حدثنا مسدد ، قال: حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن أتى [ ص: 107 ] إليكم معروفا فكافئوه، وإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن [قد] كافأتموه".

التالي السابق


الخدمات العلمية