صفحة جزء
ذكر التغليظ في اليمين الكاذبة عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

8925 - حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال: حدثنا مكي، قال: حدثنا هاشم بن هاشم، عن عبد الله بن نسطاس مولى كثير بن الصلت، عن [ ص: 138 ] جابر بن عبد الله ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من حلف على منبري هذا ولو [على] سواك أخضر تبوأ مقعده من النار".

قال أبو بكر : قال الله - عز وجل - : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) الآية، وقد ثبت أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حلف على يمين هو فيها فاجر؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان".

8926 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال: حدثنا حجاج ، قال: حدثنا حماد قال: أخبرنا أبو التياح، عن رفيع أبي العالية ، أن ابن مسعود كان يقول: كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس: أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا يقتطعه.

وقال سعيد بن المسيب : يمين الصبر من الكبائر.

وقال الحسن البصري : إذا حلف على أمر كاذبا متعمدا فليس له كفارة، هو أعظم من ذلك.

وكذلك قال حماد الكوفي ، وأبو مالك، وإبراهيم النخعي ، هذا قول مالك بن أنس ، ومن تبعه من أهل المدينة ، وبه قال الأوزاعي ، ومن وافقه من أهل الشام ، وكذلك قال سفيان الثوري ، وأهل العراق ، [ ص: 139 ] وبه قال أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو ثور ، وأبو عبيد، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة.

قال أبو بكر : وبه نقول، والدلائل تكثر لمن قال هذا القول:

أحدها: هذه الأخبار التي لا تحتمل إلا معنى واحدا، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "من حلف على يمين؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان".

وقوله: "حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار".

وقوله: "حرم الله عليه الجنة وأدخله النار" مع سائر ألفاظ الأخبار التي ذكرناها في هذا الكتاب، وسائر الأخبار التي هي مذكورة بغير هذا الكتاب، وغير جائز أن يجيز النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من حلف بهذه اليمين التي ذكرناها يلقى الله وهو عليه غضبان، مع سائر الوعيد الذي هو مذكور في هذه الأخبار، ويكون أمره في كفارة اليمين بالإطعام، أو الكسوة، أو الرقبة، فإن لم يجد فالصيام، ويكون قوله: ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) كفارة لما هو مذكور في الأخبار من الوعيد، هذا يستحيل، والكفارة إنما جعلت في الأيمان التي يكون الرجل فيها حانثا بعد عقد اليمين، فيفعل ما حلف أن لا يفعله، أو يترك ما أوجب على نفسه باليمين أنه فاعله.

ومن الدليل على أن الأيمان التي تجب فيها الكفارات إنما هي الأيمان التي يحلف بها المرء على فعل يفعله فيما يستقبله فلا يفعله، أو على فعل لا يفعله فيما يستقبله فيفعله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إني إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها أتيت الذي هو خير، وكفرت [ ص: 140 ] عن يميني" وقوله: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وفي بعض الأخبار "فليكفر عن يمينه، ويأت الذي هو خير" وهذه الأخبار التي هي مذكورة في باب تقديم الكفارة قبل الحنث.

قال إبراهيم النخعي : الأيمان أربع: يمينان يكفران ويمينان لا يكفران، قول [الرجل:] والله ما فعلت وقد فعل، ووالله لقد فعلت وما فعل، ليس في هذا كفارة إن كان تعمد شيئا، فهو كذب، فليستغفر الله، وإن كان يرى أنه كما قال فهو لغو، يكفر، وقول الرجل: والله لا أفعل فيفعل، والله لأفعلن فلا يفعل، فهذا فيه كفارة.

قال أبو بكر : وفي هذه المسألة قول ثان إذا قال: والله لقد كان كذا وكذا ولم يكن، كفر، وقد أثم وأساء؛ حيث عمد الحلف بالله باطلا، هذا قول الشافعي .

وقد روينا ذلك عن الحكم، وقال الشافعي : فإن قال قائل: ما الحجة في أن يكفر وقد عمد الباطل؟ قيل: أقربها قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" فقد أمره إن تعمد الحنث، وقول الله - عز وجل - : ( ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ) نزلت في رجل حلف أن لا ينفع رجلا، فأمره الله أن ينفعه، وقوله ( وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ) ثم جعل فيه الكفارة. [ ص: 141 ]

قال أبو بكر : وقد عارض الشافعي بعض أصحابنا فقال: أما احتجاجه بقوله ( ولا يأتل أولو الفضل منكم ) فإن سبب نزولها أن أبا بكر الصديق كان حلف أن لا ينفع مسطحا؛ لما كان منه في أمر عائشة ، فنهى الله عن الحلف بمثل (ذلك) اليمين، ورغب في العفو والصفح، وهذه يمين [كانت] على فعل مستقبل، ولا اختلاف بين أهل العلم في إيجاب الكفارة على الحالف بمثل هذه اليمين إذا حنث، ولا يشبهها اليمين على فعل ماض يتعمد فيها صاحبها الكذب؛ لأن تلك غلظ النبي - صلى الله عليه وسلم - على الحالف بها وأوعده النار، ولم يوجب عليه الكفارة، وأمر الحالف على الفعل المستقبل أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه.

فحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه اليمين بعد حكمه في تلك اليمين، فغير جائز أن يقاس إحدى هاتين اليمينين على الأخرى، وفرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما، واتفق عامة أهل العلم على التفريق بينهما.

وأما قوله - جل ذكره - : ( وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ) فإن أراد أن يقيس إحداهما على الأخرى فذلك غير جائز؛ لأنه قال: لا يقاس أصل على أصل، ولو جاز قياس أحدهما على الآخر لوجب أن يكون أحدهما فرعا ولا سبيل إليه؛ لأن الفرع لا يصير أصلا، ولو ذهب ذاهب فجعل أحدهما قياسا على الآخر للزم أن يكون على الحالف بهذه اليمين التي شبهت بالظهار كفارة الظهار إن كان الظهار أصلها، [ ص: 142 ] وهذه اليمين فرع، ومتى امتنع ممتنع أن يجعل حكم هذه اليمين حكم الظهار، فذهب يفرق بينهما بأي وجه فرق بينهما، وجب ألا يجعل حكم إحداهما حكم الأخرى، وليس لأحد أن يوجب كفارة إلا حيث أوجبها الله، وأوجبها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي في الأيمان التي يحلف بها الحالف على مستقبل من الأمر، ومن الأيمان التي تجب فيها الكفارة على مستقبل من الأمر قوله: ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ) .

8927 - حدثنا علي (بن عبد العزيز ) ، قال: حدثنا مروان بن شجاع، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله: ( عرضة لأيمانكم ) قال: هو الرجل يحلف لا يصل قرابته، فجعل الله له مخرجا في التكفير، فأمره الله أن لا يعتل بالله، فليكفر عن يمينه وليبرر.

قال أبو بكر : الكتاب والسنة يدلان على أن اليمين التي فيها الكفارة من حلف على مستقبل من الأمر، وقد ذكرنا الحجج في ذلك، وهو قول عوام علماء الأمصار. [ ص: 143 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية