صفحة جزء
ذكر وقت الاستثناء

اختلف أهل العلم في الوقت الذي إذا استثنى المرء في يمينه سقطت عنه كفارة اليمين.

فقالت طائفة: إذا كان استثناؤه متصلا بيمينه فلا كفارة عليه، كذلك قال الحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، وروي ذلك عن عطاء ، وبه قال سفيان الثوري ، ومالك بن أنس ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبو عبيد وأصحاب الرأي.

وقالت طائفة: له أن يستثني ما دام في مجلسه، روينا هذا القول عن طاوس .

8951 - حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عنه. [ ص: 159 ]

وبه قال الحسن البصري .

وقال قتادة : إذا استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله مستثناه.

وقال أحمد: يكون الاستثناء ما دام في ذلك الأمر، وكذلك قال إسحاق : إلا أن يكون سكوت ثم عود إلى الأمر.

وفيه قول ثالث: رويناه عن عطاء خلاف الرواية الأولى عنه، وهو أن له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة.

8952 - حدثنا موسى، عن محمد بن الصباح ، عن ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح عنه.

وفيه قول رابع:

8953 - حدثنا أبو أحمد ، قال: أخبرنا يعلى ، قال: أخبرنا الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : أنه كان يرى الاستثناء بعد حين ويتأول هذه الآية: ( واذكر ربك إذا نسيت ) .

وروينا عن مجاهد ، أنه قال: إن قال بعد سنتين: إن شاء الله، فقد استثنى. [ ص: 160 ]

روينا عن سعيد بن جبير ، أنه قال: إن قال: إن شاء الله، بعد أربعة أشهر، فقد استثنى.

قال أبو بكر : وقد توهم بعضهم أن حديث ابن عباس حجة يحتج بها من قال: إن للرجل أن يستثني ما دام في مجلسه.

8954 - روينا عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، ثم سكت ساعة، ثم قال: إن شاء الله".

حدثناه محمد بن عبد الوهاب قال: أخبرنا الحسن بن قتيبة الخزاعي قال حدثنا مسعر ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .

قال أبو بكر : والذي يصح عندي مرسل عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

8955 - حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو معاوية ، عن مسعر بن كدام، وقيس بن الربيع ، عن سماك ، عن عكرمة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، ثم سكت ساعة، ثم قال: إن شاء الله". [ ص: 161 ]

وحدثني علي، عن أبي عبيد أنه قال بعد أن ذكر أخبارا منها خبر عكرمة ، وغير ذلك وجوه، فهذه الأحاديث عندنا أن استثناءه بعد طول هذا الزمان يسقط عنه كفارة الحنث، ولا يتأول ذلك أحد من أهل العلم، ولو كان الاستثناء مباحا لصاحبه متى شاء ما حنث أحد في يمينه، ولا كان للكفارة التي أوجبها الله معنى، ولكن وجوهها عندنا سقوط المأثم عنه إذا كان تركه الاستثناء ناسيا ثم ذكره بعد زمان فاستثنى، وذكر قوله: ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) قال: ومما يبين لك ذلك حديث أبي ذر .

حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن المسعودي ، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال أبو ذر : من قال حين يصبح: اللهم ما حلفت من حلف، أو قلت من قول، أو نذرت من نذر، فمشيئتك بين يدي ذلك كله، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، اللهم اغفر لي، وتجاوز لي عنه، اللهم من صليت عليه فصلاتي عليه، ومن لعنته فلعنتي عليه، فكان في استثناء يومه ذلك.

قال أبو بكر : وقد روينا حديثا أطول من هذا عن زيد بن ثابت . [ ص: 162 ]

8956 - حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا سلمة بن شبيب قال: حدثنا أبو المغيرة قال: حدثنا أبو بكر بن أبي مريم قال: حدثني ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء، عن زيد بن ثابت ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه دعاء، وأمره أن يتعاهده، ويتعاهده أهله كل يوم، قال: "قل حين تصبح: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، اللهم ما قلت من قول أو حلفت من حلف، أو نذرت من نذر، مشيئتك بين يديه، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير، اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت، وما لعنت من لعنة فعلى من لعنت، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما وألحقني بالصالحين.

أسألك اللهم الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقا إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، أعوذ بك أن أظلم أو أظلم، أو أعتدي أو يعتدى علي، أو أكسب خطيئة مخطئة أو ذنبا لا يغفر، اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أشهدك - وكفى بك شهيدا - أني أشهد أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، لك الملك ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنك تبعث من في القبور، وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة، وعورة، وذنب، وخطيئة، وأني لا أثق إلا برحمتك، فاغفر لي ذنبي كله؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فتب علي؛ إنك أنت التواب الرحيم".
[ ص: 163 ]

قال أبو بكر : هذان الحديثان لا يصحان، القاسم بن عبد الرحمن بن مسعود لم يلق أبا ذر ، ويقال: إن بين ضمرة بن حبيب وبين أبي الدرداء رجل، والدلائل موجودة من صحاح أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" وكذلك قوله: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير" على سبيل ما أنا ذاكره في باب بعد إن شاء الله، ولو كان الحالف إذا نسي أن يستثني في يمينه استثنى متى ذكره أغنى ذلك عنه، ما وجب كفارة على أحد؛ لأنه متى شاء أسقط الكفارة عن نفسه، بأن يستثني عند ذكره.

قال أبو بكر : ومما يدل أيضا على ما قلناه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "من حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث" فاشترط كلاما واحدا، بعضه متمسك ببعض، ولم يجعل بينه فصلا، وقال مالك فيمن حلف، ثم قال: إن شاء [ ص: 164 ] الله، ثم أتى الذي حلف عليه: أراها له ثنيا إن كان أراد بها الثنيا، وإن كان قالها لا يريد بها الثنيا إلا لقول الله - عز وجل - : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) ثم حنث، فإني أرى أن يكفر.

التالي السابق


الخدمات العلمية