صفحة جزء
ذكر اختلاف أهل العلم فيمن نسي صلاة فذكرها في الأوقات

التي نهي عن الصلاة فيها

اختلف أهل العلم فيمن نسي الصلاة فذكرها في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، فقالت طائفة: لا يقضي [الفوائت] في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، وروي عن [ أبي بكرة ] أنه نام في [ ص: 109 ] دالية فاستيقظ عند غروب الشمس فانتظر (حتى) غابت الشمس ثم (صلاها) . وروي عن كعب - أحسبه ابن عجرة - أن ابنا له نام عن الفجر حتى طلع قرن الشمس فأجلسه إلى جنبه، فلما أن تعلت الشمس وابيضت (فأتت السبخة) قال له: صل الآن.

1120 - حدثنا موسى بن هارون، قال: نا أبو بكر، قال: نا أبو خالد الأحمر ، عن سعد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن عبد الملك بن كعب، عن أبيه قال: " نمت عن الفجر، حتى طلع قرن الشمس، فقمت أتوضأ فبصر بي أبي قال: ما شأنك؟ قلت: أصلي قد توضأت. فدعاني فأجلسني إلى جنبه، فلما أن تعلت الشمس وابيضت (فأتت السبخة) - أو قال رأيت السبخة - ضربني قبل أن أقوم إلى الصلاة وقال: صل الآن ".

1121 - حدثنا موسى، قال: نا أبو بكر، قال: نا عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب، عن ابن سيرين ، عن بعض بني أبي بكرة ، عن أبي بكرة ، "أنه نام في دالية لهم فظننا أنه قد صلى العصر، فاستيقظ عند غروب الشمس فانتظر حتى غابت الشمس ثم صلى". [ ص: 110 ]

1122 - حدثنا موسى، قال: نا أبو بكر، قال: نا ابن علية ، عن يونس، عن ابن سيرين ، عن يزيد بن أبي بكرة ، عن أبي بكرة مثله.

وقد احتج بعضهم لهذا القول بالأخبار التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهيه عن الصلاة في الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استيقظ عند طلوع الشمس، أخر الصلاة حتى ارتفعت الشمس ثم صلاها.

1123 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: أنا روح بن عبادة ، قال: نا هشام، عن الحسن، عن عمران بن حصين ، قال: "سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة - أو سرية - فلما كان السحر عرسنا، فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يثب فزعا دهشا، فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا فارتحلنا، ثم سرنا حتى ارتفعت الشمس، ثم نزلنا فقضى القوم حوائجهم، ثم أمر بلالا فأذن فصلينا ركعتين، ثم أمره فأقام فصلى الغداة".

وقال آخرون: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها واقعا على التطوع دون الفرض، وللمرء أن يقضي الواجب من الصلاة في أي وقت ذكر، قال بعضهم: والدليل على صحة هذا القول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب [ ص: 111 ] الشمس فقد أدرك العصر".

ودليل آخر وهو قوله: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها"، وإنما نهى عن ذلك من قصد التطوع دون الفرض؛ لأن من نسي الفرض فلم يذكره إلا وقت طلوع الشمس ووقت غروبها لم يتحر الصلاة في ذلك الوقت، إنما أدركه فرض الصلاة في ذلك الوقت.

وأما من تأول ارتحال النبي صلى الله عليه وسلم من المكان الذي انتبهوا فيه، فليس لهم فيه حجة؛ لأنهم لم ينتبهوا إلا بحر الشمس، وإنما ارتحل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك المكان للعلة التي أخبر بها قال: "إن هذا مكان حضرنا فيه شيطان فارتحلوا منه". بين ذلك في حديث أبي هريرة .

1124 - حدثنا محمد بن يحيى ، قال: نا مسدد ، قال: نا يحيى، عن يزيد بن كيسان ، قال: حدثني أبو حازم ، عن أبي هريرة قال: عرسنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان". قال: ففعلنا، ثم دعا بماء، فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة.

وقد ثبت أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها"، وروي عنه أنه تلا: ( وأقم الصلاة لذكري ) .

1125 - حدثنا يحيى بن محمد، قال: نا مسدد ، قال: نا أبو عوانة ، [ ص: 112 ] عن قتادة ، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها".

وممن روي عنه أنه قال: إذا نام عن صلاة أو نسيها صلاها متى [استيقظ أو ذكر] علي بن أبي طالب ، وقال ابن عباس في رجل نسي صلاة: يصليها إذا ذكرها، وتلا ( وأقم الصلاة لذكري ) .

وروي عن عمران بن حصين ، وسمرة أنهما قالا: يصليها إذا ذكرها، [وقال أحدهما: وفي وقتها من الغد.

وروي عن عبد الرحمن بن عوف ، وأبي ذر أنهما قالا: يصليها إذا ذكرها] ، وهذا قول أبي العالية ، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي ، وأحمد، وإسحاق ، وأبي ثور.

1126 - حدثنا محمد بن علي ، قال: نا سعيد، قال: نا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي: "إذا نام عن الصلاة أو نسي صلاة، فليصل متى ما استيقظ أو ذكر". [ ص: 113 ]

1127 - حدثنا محمد بن علي قال: نا سعيد قال: ثنا أبو الأحوص ، قال: نا سماك بن حرب ، عن سمرة بن يحيى، قال: نسيت صلاة العتمة حتى أصبحت، فغدوت على ابن عباس في أهله، فقلت: إني نسيت الصلاة حتى أصبحت؟ فقال: " قم فصلها، ثم قرأ قوله تعالى: ( وأقم الصلاة لذكري ) .

1128 - ورواه وكيع ، عن علي بن صالح ، عن سماك، عن سمرة بن نخف، عن ابن عباس ، و (حدثنيه موسى، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع ) .

1129 - حدثنا موسى، قال: نا أبو بكر، قال: نا ابن علية ، عن يونس، عن الحسن، [عن] عمران بن حصين وسمرة اختلفا في الذي ينسى صلاته، فقال عمران: يصليها إذا ذكرها، وقال سمرة: يصليها إذا ذكرها وفي وقتها من الغد [ ص: 114 ] .

1130 - وحدثنا موسى، قال: نا أبو بكر، قال: نا وكيع ، عن عبيد الله بن أبي حميد ، عن أبي مليح، عن أبي ذر ، وعبد الرحمن بن عوف في الصلاة تنسى قال: "يصليها إذا ذكرها".

وفيه قول ثالث: قاله أصحاب الرأي في رجل نسي صلاة، فذكرها حين طلعت الشمس أو حين انتصف النهار، أو ذكرها حين تغرب الشمس، قال: لا يصليها في هذه الأوقات الثلاث، والوتر كذلك ما خلا العصر، فإنه إذا ذكر العصر من يومه ذلك قبل غروب الشمس صلاها، وإن كانت العصر قد نسيها قبل ذلك بيوم أو بأيام لم يصلها في تلك الساعة، وكذلك سجدة التلاوة، والوتر والصلاة على الجنازة، لا تقضى في شيء من هذه الساعات الثلاث.

قال أبو بكر: إذا كان مذهب أهل الرأي أن يجعلوا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس واقعا على التطوع دون الفرض، فاللازم أن يجعلوا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وعند انتصاف النهار واقعا على التطوع دون الفرض، ثم ليس بين عصر يومه وبين عصر قد نسيها قبل ذلك فرق. والله أعلم [ ص: 115 ] .

التالي السابق


الخدمات العلمية