صفحة جزء
ذكر تبديد الضرب على الأعضاء ولا يرى إبطك

ثابت عن عمر بن الخطاب أنه قال - وقد أتي برجل في حد - : اضرب، ولا يرى إبطك، وأعط كل عضو حقه، وممن روي عنه أنه أمر أن يعطى كل عضو حقه في الحد علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، والنخعي . [ ص: 476 ]

وقال الشافعي: ويترك الجلاد الفرج والوجه .

9156 - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان قال: أتي عمر برجل في حد فأمر بسوط بين السوطين فقال: اضرب ولا يرى إبطك، وأعط كل عضو حقه .

9157 - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، حدثنا يحيى بن عبد الله التيمي، قال: حدثنا أبو ماجد الحنفي، قال: جاء رجل بابن أخيه إلى عبد الله بن مسعود فقال: وجدته سكرانا فقال عبد الله: ترتروه أو مزمزوه أو استنكهوه قال: فترتر ومزمز واستنكه فوجد منه ريح الشراب قال: فأمر به عبد الله إلى السجن ثم أخرجه من الغد فأمر بسوط فدقت ثمرته حتى آضت له مخفقته ثم قال للجلاد: اجلد وأرجع يدك وأعط كل عضو حقه. قال: فضربه ضربا غير مبرح أوجعه قال: وضربه في قباء وسراويل، أو قميص وسراويل .

9158 - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن عدي بن ثابت، عن عكرمة بن خالد، قال: أتي علي [ ص: 477 ] برجل في حد فقال: اضرب وأعط كل عضو حقه، واجتنب وجهه ومذاكيره .

قال أبو بكر: وإنما هو هنيدة بن خالد وقوله عكرمة خطأ .

9159 - حدثونا عن بندار: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن عدي، عن هنيدة بن خالد ... وذكر الحديث .

وقال أصحاب الرأي: يعطي كل عضو حقه من الضرب ما خلا الوجه والرأس والفرج. وهذا قول النعمان ومحمد. وقال يعقوب: أضرب الرأس، ولا أضرب الوجه ولا الفرج. وقال أبو ثور: يكون الضرب على الأعضاء، ولا يضرب الوجه والرأس .

قال أبو بكر: ولا يكون الذي يقيم الحدود إلا مأمونا عالما بإقامة الحدود، وروينا عن عمر بن الخطاب أنه كان يختار للحدود رجلا .

9160 - حدثنا إسحاق: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الله بن عبيد الله - يعني ابن أبي مليكة - أن عمر بن الخطاب كان يختار للحدود رجلا، وأنه كان يقيم للحدود . [ ص: 478 ]

وهذا مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وكل من نحفظ عنه من أهل العلم .

واختلفوا في التسوية بين ضرب الزنا والقذف وشرب الخمر. فقالت طائفة: جلد الزاني أشد من جلد الفرية والخمر. كذلك قال عطاء، وهو مذهب النخعي وقتادة .

وقال الحسن البصري: الزنا أشد من القذف، والقذف أشد من الشرب، وكذلك قال الثوري، وعرض على أحمد بن حنبل قول الحسن فقال أحمد هو نحوا مما قال: وكذلك قال إسحاق .

وقال الزهري: يجتهد في حد الزنا والفرية، ويخفف في الشراب .

وكان مالك بن أنس يقول: رأيت أهل العلم يقولون في الضرب في الحدود: كأنها سواء في الوجع: فأما الشافعي فإنه قال: وإذا أقام السلطان حدا على من قطع أو حد قذف أو حد زنا ليس برجم على رجل أو امرأة، عبد أو حر، فمات من ذلك، فالحق قتله، لأنه فعل به ما لزمه، فإذا ضرب في خمر أو سكر من شراب بنعلين، أو طرف ثوب، أو يد، أو ما [أشبههما] ضربا يحيط العلم أنه لا يبلغ أربعين، أو يبلغها ولا يجاوزها، فمات من ذلك فالحق قتله، ولا عقل فيه، ولا قود، ولا كفارة على الإمام، ولا على الضارب، وإن ضربه أربعين أو أقل منها بسوط، أو ضربه أكثر من أربعين بالنعال أو غير [ ص: 479 ] ذلك، فمات فديته على عاقلة الإمام .

قال أبو بكر: الضرب بالسوط في الحدود يجب، لا أعلم في ذلك خلافا إلا في حد الخمر فإنهم اختلفوا فيه، ويكون السوط الذي يضرب به بين السوطين، للأخبار التي رويت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مع ذلك قول عوام أهل العلم وليس في تجريد المجلود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يعتمد عليه، فتجريد المجلود غير جائز؛ إذ لا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب تجريده، والمجلود وعليه قميصه مجلود عند أهل العلم، ونزع ما يمنع من الألم يجب؛ إذ لا معنى للضرب، إذا كان عليه من اللباس ما يدفع الألم عنه. والضرب الذي يجب أن يضرب المحدود ضربا يكون مؤلما لا يجرح ولا يبضع. واسم الضرب يقع على المضروب هكذا، وليس مع من رأى أن يضرب أشد من ذلك حجة، وليس في ضرب القائم والقاعد خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتبع، والذي أرى أن ينظر إلى ما هو أسهل على المضروب فيفعل ذلك به؛ إذ من ضرب قائما أو قاعدا مضروب. فأستر على المرأة أن تضرب وهي قاعدة، فضربها وهي قاعدة أحب إلي لهذه العلة، لأنهن مأمورات بالستر فأستر ذلك عليها أحبها إلينا، مع أن هذا قول عوام أهل العلم في ضرب المرأة .

وقد [ذكرت] اختلاف أهل العلم في أن الضرب في بعض الحدود أشد منه في بعض، وقد أمر الله - جل وعز - بجلد الزاني والقاذف في كتابه، ولا دلالة من كتاب ولا سنة على أن بعض ذلك أشد من بعض، [ ص: 480 ] ولا حجة مع من فرق بين ذلك، وحيث ما ضرب من أعضاء المضروب جائز إلا موضع منع منه سنة أو موضع يخاف منه التلف .

وقد اختلف أهل العلم في معنى قوله تعالى: ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) فقال بعضهم: الرأفة أن لا تقيم الحد. وقال غيرهم: ذلك في شدة الضرب. وقد ذكرت اختلافهم في ذلك في كتاب التفسير، فمما منعت منه السنة الضرب على الوجه، لثبوت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا ضرب أحدكم فليتوق الوجه" .

وروي عنه أنه قال: "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه" .

9161 - حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه" .

التالي السابق


الخدمات العلمية