صفحة جزء
ذكر اختلاف أهل العلم في مبلغ التعزير

قال أبو بكر: لم نجد في كتاب الله عز وجل [أصلا] لعدة الضرب في التعزير، ولا وجدنا له في الأخبار الثابتة عن رسول الله ذكرا، وقد روي فيه غير حديث، ولا أعلم منها شيئا ثابتا، ولا أعلم ممن حفظت عنه من أهل العلم خلافا أن للإمام أن يعزر في بعض الأشياء .

وقد اختلف أهل العلم في المقدار الذي يجوز أن يعزر به من وجب عليه التعزير .

فقالت طائفة: لا يضرب فوق عشرة أسواط. كان أحمد بن حنبل يقول: للرجل أن يضرب عبده على ترك الصلاة، وعلى المعصية، ولا يضرب فوق عشر جلدات. قال إسحاق: [أجاد] .

وقد روينا عن عمر بن الخطاب، أنه أمر زيد بن ثابت أن يضرب رجلا أراد أن يعزره قال: قال: كم أضربه؟ قال: اضربه عشرة أسواط .

9168 - حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا سعد، قال: حدثنا هشيم قال: أخبرني عبد الرحمن بن إسحاق، عن رجل من كندة: أن رجلا أمر به عمر بن الخطاب أن يعزر، فقال لزيد بن ثابت: اضربه. قال: كم أضربه؟ قال: اضربه عشرة أسواط، ضربا مورما . [ ص: 486 ]

9169 - حدثنا علان بن المغيرة، حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن مسلم بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن رجل من الأنصار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله" .

قال أبو بكر: وهذا الإسناد فيه مقال. وقد ذكرت اختلاف الأسانيد في هذا الباب في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب .

وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري ألا تبلغ بنكال فوق عشرين سوطا .

9170 - حدثنا علي بن الحسن، حدثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، قال: حدثني حميد الأعرج، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى أن لا تبلغ بالنكال إلى عشرين سوطا .

9171 - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن حميد الأعرج، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي أن عمر كتب إلى أبي [ ص: 487 ] موسى الأشعري أن لا تبلغ بنكال فوق عشرين سوطا .

وقد روينا عن عمر بن الخطاب قولا ثالثا: وهو أن لا تبلغ في تعزير أكثر من ثلاثين جلدة .

9172 - حدثنا موسى بن هارون، حدثنا محمد بن الصباح قال: أخبرنا سفيان، عن حميد الأعرج، عن يحيى بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب كتب: لا يبلغ في تعزير أكثر من ثلاثين جلدة .

وكان الشعبي يقول: التعزير ما بين سوط إلى ثلاثين .

وقد روي عنه أنه قال: ما بين الثلاثين إلى الأربعين .

وفيه قول رابع: وهو أن لا يبلغ بعقوبة أربعين. هذا قول الشافعي، وابن الحسن .

وفيه قول خامس: وهو أن يضرب في التعزيز خمسة وسبعين سوطا .

هذا قول ابن أبي ليلى، وحكي ذلك عن يعقوب، وقد حكي عن يعقوب أنه قال في التعزير: على قدر عظم الجرم وصغره، وعلى قدر ما يرى الحاكم من احتمال المضروب فيما بينه وبين أقل من ثمانين .

وفيه قول سادس: وهو أن التعزير على قدر الجرم. هذا قول مالك .

قال مالك: التعزير على قدر الجرم، فإن كان جرمه أعظم من قذف العبد والحر في المعصية ضرب مائة وأكثر. قال الراوي: هذا عن مالك، [ ص: 488 ] وقد رأيت مالكا يأمر بضرب مائة وحبس سنة في باب من أبواب العقوبات. وكان أبو ثور يقول: ويضرب في التعزير على قدر الجناية (ويقرع) الفاعل في السر على قدر ما يكون أنكل وأبلغ في الأدب، فإن [جاز] التعزير الحد إذا كان الجرم عظيما مثل أن يقتل الرجل عبده، أو يقطع منه شيئا، أو يعاقبه العقوبة التي يسرف فيها، فتكون العقوبة فيه على قدر ذلك، وما يراه الإمام إذا كان مأمونا عدلا . [ ص: 489 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية