صفحة جزء
قذف الرجل الجماعة بكلمة واحدة

اختلف أهل العلم في الرجل يقذف النفر بكلمة واحدة. فقالت طائفة: يحد حدا واحدا .

كذلك قال عطاء، وطاوس، والشعبي، والنخعي، والزهري، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبه قال مالك بن أنس، وسفيان الثوري وأحمد، وإسحاق، وعبد الملك الماجشون، والنعمان، ويعقوب، وابن الحسن . [ ص: 589 ]

وقال مالك: إذا قذف إنسانا اليوم، وآخر غدا، وقذف إنسانا واحدا مرارا في مجلس واحد أو في أيام ليس عليه في ذلك إلا حد واحد، إذا لم يقم عليه الحد. وقال مالك: في الرجل يقذف النفر متفرقين إذا قام به بعضهم فضربه الحد، ثم أراد غيره لم يكن له. وشبه ذلك بالرجل يسرق فتقطع يده، ثم يقول من يشهد عليه أنه سرق من آخر قبل أن تقطع يده، وهذا مذهب عبد الملك وأحمد وإسحاق .

وقال حماد بن أبي سليمان: إذا فرق أو جمع فعليه حد واحد، وقول حماد أحب إلى سفيان الثوري. وقد احتج بعض من يقول بهذا القول: بأنهم لما اجتمعوا على وجوب حد واحد: وجب ذلك لإجماعهم، ووجب الوقوف عما زاد على حد واحد عند اختلافهم، قال: ولما أجمعوا أن الرجل إذا زنى مرارا أو شرب الخمر مرارا: أن عليه في الزنا حدا واحدا عند اختلافهم. وفي السرقة كذلك تقطع يده مرة، ويحد في الخمر مرة، وإنما يجب عليه حد بعد حد إذا زنى، فحد، ثم زنى أو سرق، فقطع، ثم سرق. وكذلك إنما يجب عليه في القذف حد بعد حد إذا قذف فحد، ثم قذف [فعليه] حد آخر، وهذه حدود كلها وحكمها حكم واحد، وفي إجماعهم على أن على الزاني مرارا حدا واحدا ما يلزم أن القذف مثله . [ ص: 590 ]

وقالت طائفة: يحد لكل واحد منهم حدا واحدا. كذلك قال الحسن البصري. وبه قال الشافعي، وأبو ثور .

وفي هذا الباب قول ثالث: وهو أن القذف إن كان بكلمة واحدة: كان حدا واحدا. وإن قذف هذه، ثم قذف هذا، ثم هذا: كان لكل واحد منهم حد. هذا قول الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، وابن أبي ليلى، وأحمد بن حنبل .

قال أبو بكر: وليس مذهب هؤلاء خلافا لما حكيناه عنهم في ذكر القول الأول، لأن مذهبهم: إن قذف جماعة بكلمة واحدة: فحد واحد، وإن فرق: فلكل واحد منهم حد، وفيه قول رابع: قاله عروة بن الزبير. قال: إن جاؤوا جميعا فحد واحد، وإن جاؤوا مفترقين أحد لكل إنسان منهم حده، وقد حكى عبد الملك الماجشون هذا المذهب عن المغيرة، وابن دينار، قالا: إن اجتمعوا جميعا حد لهم حدا واحدا، وإن افترقوا ففي كل واحد حد .

قال عبد الملك: ولست أقول به. ومن حجة من يوجب لكل مقذوف منهم حدا، جمع القذف، أو فرقه: أن الله - جل ذكره - جعل على القاذف الحد للمقذوف، فكل مقذوف فله حده الذي أوجبه الله له إلا أن يزول ذلك عن القاذف بحجة، ولما أجمع أهل العلم على أن خمسة لو قذفهم رجل، فعفا أربعة: أن للخامس الحد. دل ذلك على أن لكل واحد منهم [ ص: 591 ] حدا إذ لو لم يكن كذلك لسقط لعفو الأربعة عن القاذف أربعة أخماس الحد، ففي إجماعهم على أن حق هذا الذي لم يعف ثابت؛ إذ إن الآخرين إنما عفوا عن حقهم، دليل على أن لكل واحد منهم حدا تاما، أما ما احتج به من خالف هذا القول من حد الزنا، والسرقة، وشرب الخمر فمخالف لهذا، لأن القذف من حقوق العباد، والحد في الزنا والخمر والسرقة من حقوق الله، ليس للإمام أن يعفو عن الحد في ذلك بعد أن يتصل به، ولا يقوم الإمام بحد القاذف إذا عفا عنه المقذوف، لأنه حق للمقذوف .

قال أبو بكر: يحد لكل واحد منهم حدا، جمع القذف، أو فرقه .

التالي السابق


الخدمات العلمية