صفحة جزء
جماع الخصال التي من أجلها يسع التخلف عن الجماعات

قال أبو بكر : مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتخلف عن الجماعة ولا اختلاف أعلمه بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعة من أجل المرض.

1897 - أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي ، قال: أخبرنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة ، قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، وهو شاك، فصلى جالسا، وصلى خلفه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف، قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا".

قال أبو بكر : في هذا الحديث دليل على أن للمريض أن يتخلف عن الجماعة من أجل المرض، ويدل على أن للمريض أن يجمع في منزله جماعة إذا لم يجد السبيل إلى حضور المسجد، وعلى أن الإيماء إذا فهم عن المومئ يقوم مقام الكلام، استدلالا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليهم أن اجلسوا، ففهموا عنه ما أراد وجلسوا، وكل من أومأ بإيماء ففهم عنه لزمه ما أومأ به، وفهم عنه، ويجب استعمال ذلك في كثير من أبواب العلم، والله أعلم [ ص: 155 ] .

الرخصة في ترك الجماعة عند حضور العشاء

1898 - أخبرنا الربيع بن سليمان ، قال: أنا ابن وهب ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث ، ويونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، قال: حدثني أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قرب العشاء، وحضرت الصلاة، فابدؤوا به قبل صلاة المغرب".

وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فممن كان مذهبه القول بظاهر هذا الحديث عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عمر . وقال أنس بن مالك : كنت مع أبي بن كعب ، وأبي طلحة ، ورجال من الأنصار على طعام، فنودي بالصلاة، فقمت، فقالوا: أفتيا عراقية؟ ومنعوني. وروينا عن ابن عباس أنه قال للمؤذن: لا تعجل بالإقامة، لا نقوم إلى الصلاة، وفي أنفسنا منه شيء.

1899 - حدثنا محمد بن مهل ، قال: نا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر ، عن ثابت ، عن أنس، قال: كنت مع أبي بن كعب ، وأبي طلحة ، ورجال من الأنصار على طعام فنودي بالصلاة فقمت، فقالوا: أفتيا عراقية؟ ومنعوني.

1900 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال: نا أبو نعيم ، قال: نا سفيان ، عن أبي عاصم العبسي، قال: أخبرني يسار بن نمير، قال: كان عمر [ ص: 156 ] يأمرنا: إذا حضرت الصلاة، والطعام، فابدؤوا بالطعام.

1901 - حدثنا الربيع بن سليمان ، قال: نا ابن وهب ، قال: أخبرني ابن لهيعة ، أن عبد الله بن عياض، أخبره أنه سمع أبا عبيدة بن عقبة بن نافع ، يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقرب إليه عشاؤه، فيسمع الإقامة، وهو يتعشى فلا يعجل عن عشائه حتى يفرغ منه.

1902 - حدثنا محمد بن علي ، قال: نا سعيد ، قال: نا شريك ، عن عبد الكريم الجزري ، عن زياد، أو أبي زياد مولى ابن عباس ، قال: دخلت على ابن عباس ، وأبي هريرة ، وكلاهما يأكلان طعاما في التنور شواء، فأخذ المؤذن يقيم، فقال ابن عباس : "لا تعجل بالإقامة، لا نقوم إلى الصلاة، وفي أنفسنا منه شيء" .

وممن كان مذهبه القول بظاهر هذا الحديث: سفيان الثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وقد كان أحمد يقول: أما إذا لم يصب منه شيئا، فلا يقوم، وأما إذا أصاب منه، فعلى حديث جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، قال: "دعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، فألقى السكين"، وكان مالك بن أنس يقول: أكره أن يبدأ الرجل في طعامه بحضرة الصلاة، وأرى أن يبدأ [ ص: 157 ] بالصلاة، إلا أن يكون طعاما خفيفا مثل شربة السويق، ونحو ذلك من الطعام.

وكان الشافعي يقول: وإذا حضر عشاء الصائم، أو المفطر، أو طعامه، وبه إليه حاجة، أرخصت له في ترك إتيان الجماعة، وأن يبدأ بطعامه إذا كانت نفسه شديدة التوقان إليه، ولو لم تكن نفسه شديدة التوقان إليه ترك العشاء، وإتيان الصلاة أحب إلي.

قال أبو بكر : بظاهر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول، وكان ابن عمر ، وهو الراوي للحديث يستعمله.

1903 - حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال: أخبرني نافع ، قال: كان ابن عمر أحيانا نلقاه، وهو صائم، فيقدم له العشاء، وقد نودي بصلاة المغرب، ثم تقام، وهو يسمع فلا يترك عشاءه، ولا يعجل حتى يقضي عشاءه، ثم يخرج فيصلي، ويقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "لا تعجلوا عن عشائكم، إذا قدم إليكم". [ ص: 158 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية