صفحة جزء
3 - لا نكاح إلا بولي

13499 - أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو قال: حدثنا أبو العباس قال: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: قال الله تبارك وتعالى [ ص: 27 ] : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ) .

13500 - قال الشافعي : زعم بعض أهل العلم بالقرآن أن معقل بن يسار كان زوج أختا له ابن عم له، فطلقها، ثم أراد الزوج وأرادت نكاحه بعد مضي عدتها فأبى معقل ، وقال: زوجتك وآثرتك على غيرك فطلقتها لا أزوجكها أبدا، فنزل: ( وإذا طلقتم النساء ) يعني الأزواج، ( فبلغن أجلهن ) فانقضى أجلهن، يعني: عدتهن، ( فلا تعضلوهن ) يعني: أولياءهن، ( أن ينكحن أزواجهن ) ، إن طلقوهن ولم يبتوا طلاقهن.

13501 - قال الشافعي : وما أشبه يعني ما قالوا من هذا بما قالوا؛ لأنه إنما يؤمر أن لا يعضل المرأة من له سبب إلى العضل بأن يكون يتم به نكاحها من الأولياء.

13502 - قال: وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقا، وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف.

13503 - أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني قال: حدثنا يونس بن حبيب قال: حدثنا أبو داود قال [ ص: 28 ] : حدثنا عباد بن راشد ، والمبارك بن فضالة ، عن الحسن قال عباد : سمعت الحسن يقول: حدثني معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها الناس، حتى أتاني ابن عم لي فخطبها إلي فزوجتها إياه، فاصطحبا ما شاء الله أن يصطحبا، ثم طلقها طلاقا له عليها رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها، ثم جاءني يخطبها مع الخطاب، فقلت: "يا لكع، خطبت إلي أختي فمنعتها الناس وخطبتها إلي فآثرتك بها، وأنكحتك فطلقتها، ثم لم تخطبها حتى انقضت عدتها، فلما جاءني الخطاب يخطبونها جئت تخطبها، لا والله الذي لا إله إلا هو لا أنكحكها أبدا" قال: فقال معقل : " ففي نزلت هذه الآية: ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ) قال: " وعلم الله تبارك وتعالى حاجتها إليه وحاجته إليها، فنزلت هذه الآية: فقلت: سمعا وطاعة فزوجتها إياه وكفرت يميني" أخرجه البخاري في الصحيح من حديث أبي عامر العقدي ، عن عباد بن راشد .

13504 - وفيه الدلالة الواضحة على حاجتها إلى الولي الذي هو غيرها في تزويجها، ومن حمل عضل معقل على أنه كان يزهدها في المراجعة فمنع من ذلك كان ظالما لنفسه في حمل كتاب الله عز وجل على غير وجهه، فلا عضل في التزهيد إذا كان لها التزويج دونه، ولا فائدة في يمينه لو كان لها التزويج دونه ولا حاجة إلى الحنث والتكفير، ولها أن تتزوج به دون تزويجه [ ص: 29 ] .

13505 - قال الشافعي رحمه الله: وجاءت السنة بمثل معنى كتاب الله عز وجل.

13506 - أخبرنا أبو بكر ، وأبو زكريا ، وأبو سعيد ، قالوا: حدثنا أبو العباس قال: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مسلم ، وسعيد بن سالم ، وعبد المجيد ، عن ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، وإن أصابها فلها الصداق بما استحل من فرجها" .

13507 - قال الشافعي : قال بعضهم في الحديث: "فإن اشتجروا" ، وقال غيره منهم: "فإن اختلفوا فالسلطان ولي من لا ولي له" .

13508 - قلت: هذا حديث رواه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن الزهري وكلهم ثقة حافظ [ ص: 30 ] .

13509 - وروينا عن شعيب بن أبي حمزة أنه قال: قال لي الزهري : إن مكحولا يأتينا، وسليمان بن موسى ، وايم الله، إن سليمان بن موسى لأحفظ الرجلين.

13510 - وروينا عن عثمان الدارمي أنه قال: قلت ليحيى بن معين : فما حال سليمان بن موسى في الزهري ؟ فقال: ثقة.

13511 - والعجب أن بعض من يسوي الأخبار على مذهبه يحكي أن ابن جريج سأل ابن شهاب عن هذا الحديث فأنكره، ثم يرويه عن ابن أبي عمران ، عن يحيى بن معين ، عن ابن علية ، عن ابن جريج سأل ابن شهاب ، ولو ذكر حكاية يحيى بن معين في هذا على وجهها علم أصحابه أن لا مغمز في رواية سليمان بهذه الحكاية فاختصرها ولم يذكرها على الوجه، ونحن نذكرها إن شاء الله على الوجه [ ص: 31 ] .

13512 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا إسحاق المزكي يقول: سمعت أبا سعيد محمد بن هارون يقول: سمعت جعفرا الطيالسي يقول: سمعت يحيى بن معين ، يوهن رواية ابن علية ، عن ابن جريح ، عن الزهري ، أنه أنكر معرفة سليمان بن موسى ، وقال: لم يذكره عن ابن جريج ، غير ابن علية ، وإنما سمع ابن علية ، من ابن جريج سماعا ليس بذاك، إنما صحح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز ، وضعف يحيى بن معين رواية إسماعيل ، عن ابن جريج جدا.

13513 - قال أحمد : وبمعناه رواه عباس الدوري ، عن يحيى بن معين ، وقال يحيى في رواية الدوري عنه: ليس يصح في هذا شيء إلا حديث سليمان بن موسى .

13514 - وقال في رواية مندل ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، هذا حديث ليس بشيء، فيحيى بن معين إنما ضعف رواية مندل ، وصحح رواية سليمان بن موسى .

13515 - وقد ذكرنا رواية الدوري عنه بإسناده في كتاب السنن.

13516 - وروينا عن أحمد بن حنبل ، أنه ضعف أيضا حكاية ابن علية هذه، عن ابن جريج وقال: إن ابن جريج له كتب مدونة وليس هذا في كتبه.

13517 - فهذان إمامان في الحديث، وهنا هذه الحكاية ولم يثبتاها مع ما في مذاهب أهل العلم بالحديث من وجوب قبول خبر الصادق وإن نسيه من أخبره عنه.

13518 - والمحتج بحكاية ابن علية في رد هذه السنة يحتج في مسألة الوقف برواية ابن لهيعة وحده، وفي غير موضع برواية الحجاج بن أرطأة وحده، ثم يرد في هذه المسألة رواية ابن لهيعة ، عن جعفر بن ربيعة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل رواية موسى بن سليمان [ ص: 32 ] وذلك فيما:

13519 - أخبرناه علي بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن أبي عبيد قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال: حدثنا ابن لهيعة . . . فذكره بمعناه.

13520 - وقال في رواية أخرى عنه بإسناده، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي" .

13521 - ويرد رواية الحجاج بن أرطأة ، عن الزهري مثل ذلك، فيقبل رواية كل واحد منهما منفردة إذا وافقت مذهبه، ولا يقبل روايتهما مجتمعة إذا خالفت مذهبه، ومعهما رواية فقيه من فقهاء الشام ثقة يشهد لروايتهما من هذه المسألة بالصحة والله يوفقنا لمتابعة السنة وترك الميل إلى الهوى بفضله ورحمته.

13522 - وعلل حديث عائشة هذا بشيء آخر وهو ما أخبرنا أبو أحمد المهرجاني قال: أخبرنا أبو بكر بن جعفر قال: حدثنا محمد بن إبراهيم قال: حدثنا ابن بكير قال: حدثنا مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه، عن عائشة ، أنها زوجت حفصة بنت عبد الرحمن من المنذر بن الزبير وعبد الرحمن غائب بالشام ، فلما قدم عبد الرحمن قال: ومثلي يصنع هذا به ومثلي يفتات عليه؟ فكلمت عائشة المنذر بن الزبير ، فقال المنذر : فإن ذلك بيد عبد الرحمن ، فقال عبد الرحمن : "ما كنت لأرد أمرا قضيتيه"، فقرت حفصة عند المنذر ، ولم يكن ذلك طلاقا [ ص: 33 ] .

13523 - قال أحمد : ونحن نحمل هذا على أنها مهدت أسباب تزويجها، ثم أشارت على من ولي أمرها عند غيبة أبيها حتى عقد النكاح، وإنما أضيف النكاح إليها لاختيارها ذلك، وإذنها فيه وتمهيدها أسبابه.

13524 - والذي يدل على صحة هذا التأويل، ما أخبرنا أبو بكر ، وأبو زكريا ، وأبو سعيد ، قالوا: حدثنا أبو العباس قال: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا الثقة، عن ابن جريج ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه قال: كانت عائشة تخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد، فإذا بقيت عقدة النكاح قالت لبعض أهلها: "زوج فإن المرأة لا تلي عقدة النكاح" .

13525 - رواه عبد الله بن إدريس ، عن ابن جريج ، عن عبد الرحمن بن القاسم قال: لا أعلمه إلا عن أبيه قال: كانت عائشة فذكر معنى هذه القصة، وقال: فإذا لم يبق إلا النكاح قالت: "يا فلان أنكح، فإن النساء لا ينكحن" .

13526 - وفي رواية أخرى وقالت: "ليس إلى النساء النكاح" .

13527 - فإذا كان هذا مذهبها وراوي الحديثين عبد الرحمن بن القاسم ، علمنا أن المراد بقوله: "زوجت عائشة حفصة بنت عبد الرحمن ما ذكرنا" ، وإذا كان محمولا على ما ذكرنا لم يخالف ما روته عن النبي صلى الله عليه وسلم، واحتج أصحابنا في المسألة بما.

13528 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني قال: حدثنا هاشم بن القاسم ، وعبيد الله بن موسى قالا: حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي" [ ص: 34 ] .

13529 - وهذا حديث أسنده إسرائيل بن يونس ، عن أبي إسحاق ، وتابعه على ذلك: شريك القاضي ، وقيس بن الربيع ، وأرسله سفيان ، وشعبة [ ص: 35 ] .

13530 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الحسن بن منصور يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت أبا موسى يقول: كان عبد الرحمن بن مهدي يثبت حديث إسرائيل ، عن أبي إسحاق يعني في النكاح بغير ولي.

التالي السابق


الخدمات العلمية