صفحة جزء
55 - قال الشيخ الحسين بن مسعود: أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل، حدثنا صدقة بن الفضل، أنا الوليد، عن الأوزاعي، قال: حدثني عمير بن هانئ، قال: حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل".

أي: أي عمل كان، فيه معصية أو طاعة.

قال الوليد : فحدثني ابن جابر، عن عمير، عن جنادة، وزاد: "من أبواب الجنة الثمانية، أيها شاء".

هذا حديث متفق على صحته، أخرجه مسلم، عن داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم هذا، عن ابن جابر .

قوله: "وكلمته ألقاها إلى مريم" سمي عيسى صلى الله عليه وسلم كلمة، لأنه كان بالكلمة من غير أب، وهي قوله سبحانه وتعالى: ( كن ) قال الله [ ص: 102 ] عز وجل: ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) .

وقيل في قوله سبحانه وتعالى في شأن يحيى بن زكريا: ( مصدقا بكلمة من الله ) ، يعني: بعيسى عليه السلام، وكان يحيى بن زكريا أول من آمن بعيسى وصدقه، وكانا ابني خالة.

وقوله: ( وروح منه ) ، أي: من خلقه وإحداثه من غير أب، كما قال جل ذكره: ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ) .

سمي عيسى روحا، لأنه حدث من نفخ الروح، وذلك أن الله سبحانه وتعالى أرسل إليها جبريل عليه السلام، فنفخ في جيب درعها، وكان مشقوقا من قدامها، فوصل النفخ إليها، فحملت.

وقيل في تفسير قوله عز وجل: ( فنفخنا فيه من روحنا ) ، أي: من نفخ جبريل، أضافه إلى نفسه، لأنه كان بأمره، كما قال الله سبحانه وتعالى: ( فأرسلنا إليها روحنا ) ، يعني: جبريل.

وقال الله عز وجل: ( وأيدناه بروح القدس ) ، يريد جبريل.

وقيل في قوله: ( وروح منه ) ، أي: رحمة، وكان عيسى رحمة من الله على من آمن به.

وروي عن أبي بن كعب في قوله سبحانه وتعالى: ( وروح منه ) ، أن: روح عيسى صلى الله عليه وسلم كان من الأرواح التي أخذ الله عز وجل عليها الميثاق في عهد آدم صلى الله عليه وسلم، ثم ردها إلى صلب آدم، [ ص: 103 ] وأمسك عنده روح عيسى إلى أن أراد خلقه، فأرسله إلى مريم في صورة بشر، فهو قوله سبحانه وتعالى: ( فتمثل لها بشرا سويا ) ، أي: حملت الذي خاطبها، وهو روح عيسى، فدخل من فيها، والله أعلم.

قال الإمام الحسين بن مسعود، رحمه الله: اتفق أهل السنة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئا منها، فمات قبل التوبة، لا يخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة برحمته، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت في البيعة.

واختلفوا في ترك الصلاة المفروضة عمدا، فكفره بعضهم، ولم يكفره الآخرون.

وروي عن الزهري: أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة "، قال: إنما هذا قبل نزول الفرائض والأمر والنهي. [ ص: 104 ] .

وذهب آخرون إلى أن معناه: أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة، وإن عذبوا في النار بذنوبهم، فقد صح عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وجابر، وأنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه سيخرج قوم من النار من أهل التوحيد ويدخلون الجنة".

وروي عن سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وغير واحد من التابعين في تفسير هذه الآية:( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) إذا أخرج أهل التوحيد من النار، وأدخلوا الجنة، ود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.

التالي السابق


الخدمات العلمية