صفحة جزء
باب الرد على الجهمية.

قال الله سبحانه وتعالى: ( كل شيء هالك إلا وجهه ) ، سمى الله نفسه شيئا.

وقال الله عز وجل: ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم ) .

وسمى النبي صلى الله عليه وسلم القرآن شيئا، فقال لرجل: "أمعك من القرآن شيء"؟ قال: نعم.

91 - قال الشيخ الحسين بن مسعود: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن [ ص: 173 ] إبراهيم الشريحي الخوارزمي، أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أنا عبد الله بن حامد، أنا محمد بن جعفر، نا علي بن حرب، نا أبو معاوية، أنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، ولكنه يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، ورواه المسعودي، عن عمرو بن مرة، وقال: "يرفع إليه عمل الليل بالنهار، وعمل النهار بالليل"، وقال: "حجابه النار"، وزاد: ثم قرأ أبو عبيدة : ( بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين ) [ ص: 174 ] وعمرو بن مرة كنيته أبو عبد الله الجملي، كوفي مرادي، وكان أعمى.

وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، يقال: اسمه عامر، ويقال: لا اسم له ".

قوله صلى الله عليه وسلم: "يخفض القسط ويرفعه"، قيل: أراد به الميزان، كما قال الله سبحانه وتعالى: ( ونضع الموازين القسط ) أي: ذوات القسط وهو العدل، وسمي الميزان قسطا، لأن العدل في القسمة يقع به، وأراد أن الله يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرفوعة إليه، وبما يوزن من أرزاقهم النازلة من عنده، كما قال الله تعالى: ( وما ننزله إلا بقدر معلوم ) وهذا مثل فيما يدبره من أمر الخلق، وينشئه من حكمه فيهم، يرفع قوما، ويضع آخرين، وهو الخافض الرافع، الحكم العدل، تبارك الله رب العالمين.

وقيل: أراد بالقسط: الرزق الذي هو قسط كل مخلوق، يخفضه مرة فيقتره، ويرفعه مرة فيبسطه، يريد أنه مقدر الرزق وقاسمه، كما قال الله تعالى: ( يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) .

وقوله: "سبحات وجهه"، أي: نور وجهه، ويقال: جلال وجهه، ومنها قيل: "سبحان الله"، إنما هو تعظيم له وتنزيه، وقول: "سبحانك"، أي: أنزهك يا رب من كل سوء. [ ص: 175 ] .

قال الخطابي: ومعنى الكلام أنه لم يطلع الخلق من جلال عظمته إلا على مقدار ما تطيقه قلوبهم، وتحتمله قواهم، ولو أطلعهم على كنه عظمته، لانخلعت أفئدتهم، وزهقت أنفسهم، ولو سلط نوره على الأرض والجبال، لاحترقت وذابت، كما قال في قصة موسى صلى الله عليه وسلم: ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية