صفحة جزء
باب الاعتصام بالكتاب والسنة.

قال الله سبحانه وتعالى: ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ) ، وقال الله سبحانه وتعالى: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) .

حبل الله: عهده، وقال أبو عبيد : الاعتصام بحبل الله: هو اتباع القرآن، وترك الفرقة.

وقال الله سبحانه وتعالى: ( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) ، يعني: اتبعوا القرآن كما قال الله تعالى: ( نزل أحسن الحديث ) ، وقال الله سبحانه وتعالى: ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ) .

قال الحسن: تدبر آياته: اتباعه، والعمل بعلمه، ما هو بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده. [ ص: 190 ] .

وقال مجاهد في قوله سبحانه وتعالى: ( يتلونه حق تلاوته ) ، قال: يعملون به حق عمل به.

وقال جل ذكره: ( هذا بلاغ للناس ) ، يعني: هذا القرآن ذو بلاغ، أي: ذو بيان كاف، والبلاغة: هي البيان الكافي.

وقوله تعالى: ( أفلا يتدبرون القرآن ) ، أي: لا يتفكرون فيعتبروا، يقال: تدبرت الأمر: إذا نظرت في أدباره وعواقبه.

وقوله تعالى: ( أفلم يدبروا القول ) ، أي: لم يتفهموا ما خوطبوا به في القرآن، وقال الله: ( وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا ) ، إلى قوله تعالى: ( أو يحدث لهم ذكرا ) ، أي: تذكرا.

وقوله: ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) .

قيل: معناه: من يعرض عن ذكر القرآن وما فيه من الحكم إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم نعاقبه بشيطان نقيضه له حتى يضله ويلازمه قرينا له. [ ص: 191 ] .

وقال الله تعالى: ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) .

قال مجاهد : أمروا أن يدعوه في لين وتواضع.

وقيل: لا تجعلوا دعاء الرسول، إذا دعاكم لأمر أو نهي، كدعاء بعضكم بعضا تجيبون إذا شئتم، وتمتنعون إذا شئتم.

وسأل رجل مالكا مسألة، فقال مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . . " فقال الرجل: أرأيت؟ قال مالك: ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) الآية.

وقال الله سبحانه وتعالى: ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ) ، أي: مستقيما.

وقال الله عز وجل: ( وعلى الله قصد السبيل ) ، أي: تبيين الطريق المستقيم، والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة ( ومنها جائر ) أي: طريق غير قاصد.

وقال الله سبحانه وتعالى: [ ص: 192 ] ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ، ( وإن تطيعوه تهتدوا ) ، وقال الله سبحانه وتعالى: ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) ، وقال الله سبحانه وتعالى: ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة ) ، أي: الاختيار.

وقال عز وجل: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ، أي: قدوة، يقال: تأسى به، أي: اتبع فعله، واقتدى به، ويقال للتعزية: التأسية، كأنه يقول: قد أصاب فلانا ما أصابك، فصبر، فتأس به واقتد.

94 - أخبرنا الشيخ - رحمه الله - حدثنا الإمام الحسين بن مسعود أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل، نا محمد بن عباد، أنا يزيد، نا سليم بن حيان، وأثنى عليه، نا سعيد بن ميناء، قال: نا أو سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه، يقول: " جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، [ ص: 193 ] فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا، فاضربوا له مثلا، فقال بعضهم: إنه نائم.

وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان.

فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي، دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة.

فقالوا: أولوها له يفقهها، قال بعضهم: إنه نائم.

وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان.

فقالوا: فالدار: الجنة، والداعي: محمد، فمن أطاع محمدا، فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا، فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس ".


هذا حديث صحيح.

وسعيد بن ميناء أبو الوليد المكي، مولى البختري . [ ص: 194 ] .

المأدبة صنيع يصنعه الرجل يدعو الناس إليه.

والداعي من الدعوة، والمدعاة هي الوليمة.

التالي السابق


الخدمات العلمية