إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة

البوصيري - شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري

صفحة جزء
[ 7356 / 1 ] وعن ابن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: خرج [ ص: 466 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الظهيرة، فوجد أبا بكر في المسجد، فقال: ما أخرجك في هذه الساعة؟ قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله، وجاء عمر بن الخطاب فقال: ما أخرجك يا ابن الخطاب؟ قال: أخرجني الذي أخرجكما يا رسول الله.

فقعد عمر وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثهما، ثم قال: هل بكما قوة فتنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعاما وشرابا وظلا؟ قال: قلنا: نعم، قال: مروا بنا إلى منزل ابن التيهان أبي الهيثم الأنصاري.

فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيدينا، فسلم، فاستأذن ثلاث مرات، وأم الهيثم وراء الباب تسمع الكلام، وتريد أن يزيد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصرف، خرجت أم الهيثم خلفهم، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمعت والله تسليمك ولكن أردت أن تزيدنا من سلامك.

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، وقال: أين أبو الهيثم؟ ما أراه! قالت: هو قريب ذهب يستعذب لنا الماء، ادخلوا، فإنه يأتي الساعة إن شاء الله، فبسطت لهما بساطا تحت شجرة، فجاء أبو الهيثم وفرح بهم، وقرت عينه بهم، وصعد على نخلة فصرم عذقا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حسبك يا أبا الهيثم، قال: يا رسول الله، تأكلون من رطبه ومن بسره ومن تذنوبه، ثم أتاهم بماء فشربوا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا من النعيم الذي تسألون عنه.

وقام أبو الهيثم ليذبح لهم شاة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك واللبون، وقامت أم الهيثم تعجن له وتخبز، ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رؤوسهم لقائلة فانتبهوا، وقد أدرك طعامهم، فوضع الطعام بين أيديهم، فأكلوا وشبعوا وحمدوا الله - عز وجل - وردت عليهم أم الهيثم بقية العذق، فأكلوا من رطبه ومن تذنوبه، فسلم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لهم.


رواه أبو يعلى الموصلي واللفظ له، وأحمد بن حنبل مختصرا.

[ 7356 / 2 ] والبزار فذكره بتمامه إلا أنه قال: "حتى أتينا منزل مالك بن التيهان الأنصاري" وزاد في آخره: "ودعا بخير" ثم قال: لأبي الهيثم: "إذا بلغك أن قد أتانا رقيق فأتنا، قال أبو الهيثم: فلما بلغني أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقيق أتيت المدينة، فأعطاني رسول الله - [ ص: 467 ] صلى الله عليه وسلم - رأسا، فكاتبته على أربعين ألف درهم، فما رأيت رأسا كان أعظم بركة منه".

وفي رواية للبزار: قالت أم الهيثم: "لو دعوت لنا يا رسول الله! قال: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة".

رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه مطولا.

[ 7357 / 2 ] وعن أبي هريرة، حدثني أبو بكر رضي الله عنه قال: "فاتتني العشاء ذات ليلة، فأتيت أهلي فقلت: هل عندكم عشاء؟ قالوا: لا والله ما عندنا عشاء، فاضطجعت على فراشي فلم يأتني النوم من الجوع، فقلت: لو خرجت إلى المسجد فصليت وتعللت حتى أصبح، فخرجت إلى المسجد فصليت ما شاء الله، ثم تساندت إلى ناحية المسجد، فبينا كذلك إذ طلع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: من هذا؟ قلت: أبو بكر، فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟ فقصصت عليه القصة، فقال: والله ما أخرجني إلا الذي أخرجك، فجلس إلى جنبي، فبينا نحن كذلك إذ خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكرنا، فقال: من هذا؟ فبادرني عمر فقال: هذا أبو بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما هذه الساعة؟ فقال عمر: خرجت فدخلت المسجد فرأيت سواد أبي بكر فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: ما أخرجك هذه الساعة؟ فذكر الذي كان، فقلت: وأنا والله ما أخرجني إلا الذي أخرجك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وأنا والله ما أخرجني إلا الذي أخرجكما، فانطلقوا بنا إلى الواقفي أبي الهيثم بن التيهان، فلعلنا نجد عنده شيئا يطعمنا.

فخرجنا نمشي فانتهينا إلى الحائط في القمر فقرعنا الباب، فقالت المرأة: من هذا؟ فقال عمر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما - ففتحت لنا فدخلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين زوجك؟ قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء من حش بني حارثة، الآن يأتيكم.

قال: فجاء يحمل قربة حتى أتى بها نخلة فعلقها على كرنافة من كرانيفها، ثم أقبل علينا، فقال: مرحبا وأهلا، ما زار الناس أحد قط مثل من زارني! ثم قطع لنا عذقا فأتانا به، فجعلنا ننتقي منه في القمر فنأكل، ثم أخذ الشفرة فجال في الغنم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك والحلوب - أو: قال: إياك وذوات الدر - فأخذ شاة فذبحها وسلخها وقال لامرأته: قومي، فطبخت وخبزت، وجعل يقطع في القدر من اللحم، فأوقد تحتها حتى بلغ اللحم والخبز، فثرد وغرف عليه من المرق واللحم، ثم أتانا به فوضعه بين أيدينا، فأكلنا حتى شبعنا، ثم قام إلى القربة [ ص: 468 ] وقد سفعتها الريح فبرد، فصب في الإناء، ثم ناول رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب، ثم ناول أبا بكر فشرب، ثم ناول عمر فشرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
الحمد لله خرجنا لم يخرجنا إلا الجوع، ثم رجعنا وقد أصبنا هذا، لتسألن عن هذا يوم القيامة، هذا من النعيم.

ثم قال للواقفي: ما لك خادم يسقيك الماء؟ قال: لا والله يا رسول الله، قال: فإذا أتانا سبي فأتنا حتى نأمر لك بخادم، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتاه سبي فأتاه الواقفي، فقال: ما جاء بك؟ قال: يا رسول الله، وعدك الذي وعدتني، قال: هذا سبي فقم فاختر منهم، فقال: كن أنت الذي تختار لي، قال: خذ هذا الغلام وأحسن إليه، قال: فأخذه فانطلق به إلى امرأته، فقالت: ما هذا؟ فقص عليها القصص، قالت: فأي شيء قلت له؟ قال: قلت له: كن أنت الذي تختار لي، قالت: قد أحسنت! قد قال لك: أحسن إليه، فأحسن إليه، قال: ما الإحسان إليه؟ قالت: أن تعتقه، قال: هو حر لوجه الله عز وجل.


رواه أبو يعلى الموصلي واللفظ له.

ورواه مالك بلاغا، ومسلم والترمذي مختصرا من حديث أبي هريرة فقط.

قال الحافظ المنذري: أبو الهيثم بن التيهان هو بفتح المثناة فوق، وكسر المثناة تحت وتشديدها، كذا جاء مصرحا به في الموطأ والترمذي، وفي مسند البزار وأبي يعلى ومعجم الطبراني من حديث ابن عباس أنه أبو الهيثم، وكذا في المعجم أيضا من حديث ابن عمر.

وقد رويت هذه القصة من حديث جماعة من الصحابة مصرح في أكثرها بأنه أبو الهيثم، وجاء في معجمي الطبراني الصغير والأوسط وصحيح ابن حبان من حديث ابن عباس وغيره أنه أبو أيوب الأنصاري، والظاهر أن هذه القصة اتفقت مرة مع أبي الهيثم ومرة مع أبي أيوب، والله أعلم.

[ ص: 469 ] .

التالي السابق


الخدمات العلمية