1. الرئيسية
  2. الجامع لشعب الإيمان
  3. الرابع من شعب الإيمان ، وهو باب في الإيمان بالقرآن المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين
صفحة جزء
[ 167 ] أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي في التاريخ ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم [ ص: 332 ] بن عبد الله الأصبهاني ، أخبرنا أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس ، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال : الحكم بن محمد أبو مروان الطبري حدثناه ، سمع ابن عيينة قال : " أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون : " القرآن كلام الله ليس بمخلوق " .

كذا قال البخاري : عن الحكم ورواه سلمة بن شبيب ، عن الحكم بن محمد قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال : سمعت مشيختنا منذ سبعين يقولون فذكر معنى هذه الحكاية .

[ 168 ] أخبرنا أبو منصور الفقيه ، أخبرنا أبو أحمد الحافظ ، أخبرنا أبو عروبة السلمي قال : أخبرنا سلمة بن شبيب ، فذكره وكذلك رواه غير الحكم بن محمد ، عن سفيان قال البيهقي رحمه الله : " مشيخة عمرو بن دينار جماعة من الصحابة منهم : عبد الله [ ص: 333 ] بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن الزبير وأكابر التابعين .

وروينا هذا القول عن علي بن الحسين ، وجعفر بن محمد الصادق ، ومالك بن أنس ، [ ص: 334 ] [ ص: 335 ] والليث بن سعد ، وسفيان بن عيينة ، وحماد بن زيد ، وعبد الله بن المبارك ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ومحمد بن إدريس الشافعي ، ويحيى بن يحيى ، وأحمد بن حنبل ، وأبي عبيد ، ومحمد بن إسماعيل البخاري في مشيخة أجلة سواهم ، وإنما أحدث هذه البدعة الجعد بن درهم ، ومنه كان يأخذ جهم ، فذبحه خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى .

قال الأستاذ أبو بكر بن فورك رحمه الله : " لو كان كلام الباري جل وعز محدثا كان قبل حدوثه موصوفا بأنه يمنع منه كما لو كان غير عالم كان موصوفا بجهل ، وآفة مانعة منه ، ولو كان كذلك لما صح أن يتكلم في حال كما لا يصح أن يعلم لو كان لم يزل غير عالم ، فوجب أنه لم يزل متكلما لما لم يلق به أضداد الكلام من السكوت ، والخرس والطفولية .

وإن شئت قلت : كلام الله عز وجل لو كان مخلوقا ، كان يجب أن يكون موصوفا بضده قبل خلقه له لاستحالة أن يخلو الحي من الكلام وضده ، وضد الكلام لو كان قديما ، لم يجز عدمه وكان يؤدي إلى إحالة ، وصفه بالأمر والنهي ، والخبر وذلك خلاف الدين [ ص: 336 ]

ولأن الكلام لو كان مخلوقا كان لا يخلو من أن يخلقه في نفسه (وهذا محال) لاستحالة أن يكون محلا للحوادث ، ويستحيل أن يخلقه في غيره ؛ لأنه ، لو كان مخلوقا في غيره لكان مضافا إلى ذلك الغير بأخص ، أوصافه كسائر الأعراض التي هي علم وقدرة ، وحياة إذا خلقها في غيره ، ولو كان كذلك لم يكن كلاما لله ، ولا أمرا له .

فإن قيل : يكون كلاما له كما يكون فعله تفضلا له ، وإن كان في غيره قيل : التفضل هو اسم يعم أجناسا ، ونحن قلنا يضاف إليه بأخص أوصافه ، فإن كان قوة أضيفت إلى ما خلقت فيه ، وإن كان سمعا وبصرا ، فكذلك فقولوا : بأنه يضاف إليه باسم الأمر ، والنهي بلفظ الكلام ، والقول فإن لم يضيفوه لا بالأخص ولا بالأعم ، ولا إلى الجملة ، ولا إلى المحل فقد افترق الأمر فيهما .

إن قيل : لو كان كلامه غير مخلوق لكان لم يزل مخبرا : ( إنا أرسلنا نوحا ) .

ولم يزل يرسل ذلك كذب .

قيل : أوليس قد قال : ( وقال : الشيطان لما قضي الأمر إن الله ، وعدكم وعد الحق ) إبراهيم ، ولم يقل بعد ، أفهو كذب فإن قال : معناه سيقول .

قيل ذلك قوله : ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ) في أزله خبرا عن أن سنرسل نوحا قبل إرساله ، فإذا أرسل يكذب خبرا عن إرساله أنه وقع من غير أن يحدث خبرا ، كما أن علمه بأن سيكون الدنيا علمه بأنه كائن ، وإذا كان لم يحدث علم إنما حدث المعلوم ، والمخبر عنه دون العلم والخبر . فإن قالوا : لو كان لم يزل متكلما لكان لم يزل آمرا ، وأمر من ليس بموجود محال .

قيل : من قال من أصحابنا لم يزل آمرا فهو يقول : لم يزل آمرا ، له يكون على معنى إذا خلقت وبلغت ، وكمل عقلك ، فافعل كذا كأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم لمن يأتي بعده [ ص: 337 ]

ومن قال : لم يزل غير آمر ، وإنما يكون كلامه أمرا لحدوث معنى فنقول : لا يجب إذا كان لم يزل متكلما ، أن يكون لم يزل آمرا ؛ لأن حقيقة الكلام غير حقيقة الأمر ، ولم يكن كلاما ؛ لأنه أمر ، وإنما كان كلاما ؛ لأنه مسموع يفيد معاني المتكلم ، وينفي السكوت ، ويكون أمرا لعلة الإفهام أن كذا يلزمه أن يفعله .

فإن قيل : لو كان لم يزل متكلما لكان هاذيا إذ لا يسمع كلامه أحد .

قيل : أليس المسبح لا يسمع كلامه أحد ؟ ، ولا يكون هذيا ، فإن قيل : الله يسمعه ، قيل : فهو يسمع الهذيان أيضا ، ولا يخرجه من أن يكون هذيانا ، ولأن معنى الهذيان أنه كلام لا يفيد ، وكلام الله يفيد المعاني الجليلة .

فإن احتج محتج بالحروف ، وتأخر بعضها عن بعض وفي ذلك دلالة على الحدث ، وكلام الباري ليس بحروف ، وإنما هو معنى موجود قائم بذاته يسمع ، وتفهم معانيه ، والحروف تكون أدلة عليه كما تكون الكتابة أمارات الكلام ، ودلالات عليه ، وكما يعقل متكلما لا مخارج له ، ولا أدوات كذلك يعقل له كلاما ليس بحروف ولا أصوات ، وقوله : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) دليلنا ؛ لأنه لولا أن في الأذكار ذكرا غير محدث ما كانت له فائدة كما أن من قال : جاءني رجل له رأس ما كانت له فائدة إذ لا يخلو منه رجل .

ومعنى الذكر كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو نفس الرسول ؛ لأنه هو الذي يأتي في الحقيقة ، وأما النسخ والتبديل والحفظ فكل ذلك راجع إلى الإحكام ، وإلى القراءة الدالة على الكلام لا إلى عين الكلام ، وكذلك التبعيض إنما هو في القراءة الدالة عليه ، والقراءة غير المقروء كما أن ذكر الله غير الله ، وقوله : ( إنا جعلناه قرآنا عربيا ) يريد به سميناه كقوله : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) يعني وصفوا الملائكة إناثا " [ ص: 338 ]

قال الحليمي رحمه الله : " وقوله عز وجل : ( إنه لقول رسول كريم ) .

( ولا بقول كاهن ) .

وقال : ( إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) .

فإنما معناه إنه لقول رسول كريم أي قول تلقاه عن رسول كريم ، أو قول سمعه عن رسول كريم إذ نزل به عليه رسول كريم ، وقد قال في آية أخرى : ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) .

فأثبت أن القرآن كلامه ولا يجوز أن يكون كلامه وكلام جبريل معا ، فدل أن معناه ما قلنا .

قال البيهقي رحمه الله : " والمقصود من تلك الآية تكذيب المشركين ، فيما كانوا يزعمون من وضع النبي صلى الله عليه وسلم هذا القرآن ، ثم قد أخبر الله عز وجل أنه هو الذي نزل به الروح الأمين عليه السلام على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن جبريل نزل به من عنده ، وبالله التوفيق .

وأما الوجه الثاني وهو الاعتراف بأنه معجز النظم فقد مضى الكلام فيه ، والإعجاز عند أكثر أصحابنا يقع في قراءة القرآن ، فنظم حروفه ودلالاته في عين كلامه القديم ، ولما كان الجن والإنس عاجزين عن الإتيان بمثله والملائكة أيضا عاجزون عن الإتيان بمثله ؛ لأنه في قول أكثر أهل العلم ليس من جنس نظوم كلام الناس ، ولا يهتدى إلى وجهه (ليحتذى) ، ويمثل وهو كتركيب الجواهر لتصير أجساما ، وقلب الأعيان إذ كما لا يقدر عليه الجن والإنس لا يقدر عليه الملائكة ، وإنما وقع التحدي عليه للجن والإنس دون الملائكة لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرسل إلى الجن ، والإنس دون الملائكة ، وفي ذلك ما أبان أن نظم القرآن ليس من عند جبريل ، ولكنه من عند اللطيف الخبير ، وهذا معنى كلام الحليمي رحمه الله [ ص: 339 ]

الوجه الثالث : فبيانه أن الله عز وجل ضمن حفظ القرآن فقال : ( إنا نحن نزلنا الذكر ، وإنا له لحافظون ) .

وقال : ( وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) .

فمن أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن ، أو نقصانه منه ، أو تحريفه فقد كذب الله في خبره ، وأجاز الخلف فيه ، وذلك كفر .

وأيضا فإن ذلك لو كان ممكنا لم يكن أحد من المسلمين على ثقة من دينه ، ويقين مما هو متمسك به ؛ لأنه كان لا يأمن أن يكون فيما كتم من القرآن ، أو ضاع بنسخ شيء مما هو ثابت من الأحكام ، أو تبديله بغيره .

وبسط الحليمي رحمه الله الكلام فيه ، فصح أن من تمام الإيمان بالقرآن الاعتراف بأن جميعه هو هذا المتوارث خلفا عن سلف لا زيادة فيه ، ولا نقصان منه ، وبالله التوفيق " .

التالي السابق


الخدمات العلمية