صفحة جزء
[ 74 ] وبإسناده حدثنا حميد بن زنجويه ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا عثمان بن الأسود قال : قلت لعطاء بن أبي رباح : الرجل يقول : لا أدري [ ص: 167 ] أمؤمن أنا أم لا ؟ قال : " سبحان الله قال الله تعالى : ( الذين يؤمنون بالغيب ) فهو الغيب ، فمن آمن بالغيب فهو مؤمن بالله " قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - : " فهذا الذي روينا من إطلاق معاذ ، وما روي مرسلا من تصويب قول عمر ، وقول عطاء في تسمية من آمن بالله وبرسله بالمؤمن يرجع إلى الحال " .

قال الحليمي - رحمه الله تعالى - : " لا ينبغي للمؤمن أن يمتنع من تسمية نفسه مؤمنا في الحال لأجل ما يخشاه من سوء العاقبة - نعوذ بالله منه - ؛ لأن ذلك ، وإن وقع ، وحبط ما قدم من إيمانه ، فليس ينقلب الموجود منه معدوما من أصله ، وإنما يحبط أجره ويبطل ثوابه - وبسط الكلام في شرح ذلك - وأما من أنكر من السلف إطلاق اسم الإيمان ، فالموضع الذي يليق به ما قال أن يقول الواحد : أنا مؤمن وأعيش مؤمنا ، وأموت مؤمنا ، وألقى الله مؤمنا ، ولا يستثني ، ولذلك قال ابن مسعود : قل إني في الجنة ؛ لأن من مات مؤمنا كان في الجنة ، وليس كل من كان مؤمنا في ساعة من عمره أو يوما أو سنة كان في الجنة ، فعلمنا أن عبد الله إنما قال هذا لمن اتكل على إيمانه فقطع بأنه مؤمن مطلق في عامة أحواله ، وأوقاته ولا يعيش إلا مؤمنا ، ولا يموت إلا مؤمنا ، ولم يكل أمره إلى الله عز وجل .

فأما قول المؤمن : أنا الآن مؤمن فليس مما ينكر ، وإنما يصح الاستثناء إذا كان الخبر عن المستقبل خاصة ، فيكون المعني أرجو أن يمن الله علي بالتثبت ، ولا يسلبني هدايته بعد أن آتانيها .

قال وللاستثناء موضع آخر يصح فيه ، ويحسن وهو أن يرد على كمال الإيمان [ ص: 168 ] لا على أصله وأسه كما روي أن رجلا سأل قتادة أمؤمن أنت ؟ فقال : أما أنا فأومن بالله وملائكته وبكتبه وبرسله ، وبالبعث بعد الموت ، وبالقدر خيره وشره ، وأما الصفة التي ذكرها الله عز وجل : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) قرأ الآيات إلى قوله : ( أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ، ومغفرة ورزق كريم ) فلا أدري أنا منهم أو لا . فقد أبان قتادة أنه قد آمن الإيمان الذي يبعده عن الكفر ، ولكنه لا يدري استكمل الأوصاف التي حكى الله تعالى بها قوما من المؤمنين ، فأوجب لهم بها المغفرة والدرجات ، وكان ذلك تشككا منه في الاستكمال الذي يوجب له الدرجات لا في مجانبة الكفر الذي يسقط عنه العذاب ، فمن وضع الاستثناء في أحد هذين الموضعين فليس من الشكاك " قال أحمد رحمه الله تعالى : " وقد روينا معنى هذا ، عن الحسن البصري :

التالي السابق


الخدمات العلمية