صفحة جزء
ص - والضروريات ، منها : المشاهدات الباطنة ، وهي ما لا يفتقر إلى عقل ، كالجوع والألم .

ومنها : الأوليات ، وهي ما يحصل بمجرد العقل ، كعلمك بوجودك ، وأن النقيضين يصدق أحدهما .

ومنها : المحسوسات ، وهي ما يحصل بالحس .

ومنها [ التجريبيات ] وهي ما يحصل بالعادة ، كإسهال المسهل والإسكار .

ومنها : المتواترات ، وهي ما يحصل بالأخبار تواترا ، كبغداد ومكة .


ش - لما ذكر أن مقدمات البرهان لا بد وأن تنتهي إلى [ ص: 96 ] الضروريات أراد أن يشير إليها ، فذكر ما هو الأشهر منها ، لا الجميع ; لأن القضايا الحدسية والقضايا التي قياساتها معها ، من الضروريات ، ولم يذكرهما .

فلذلك قال : " منها " ; لأن " من " تفيد التبعيض ، فلنقتصر أيضا على ما ذكره المصنف . وهي خمس : الأولى : المشاهدات الباطنة ، وهي القضايا التي يستفيد الإنسان التصديق بها من القوى الباطنة ، وهي ما لا تفتقر إلى عقل ، أي ما لا تفتقر في حصول طرفيها عند المشاهد إلى عقل . كالجوع والألم ; فإن حصولهما عند من يشاهدهما لا يفتقر إلى العقل ، ولذلك يحصل للبهائم والمجانين .

وأما الحكم فيها يفتقر إلى العقل ، إن كان كليا [ كما ] في سائر القضايا ، وإن كان جزئيا فيفتقر إلى العقل أيضا على رأي من يقول : إن الحاكم مطلقا هو العقل ، سواء كان الحكم كليا أو جزئيا ; إذ الحس ظاهرا أو باطنا ، لا حكم له .

الثانية : الأوليات ، وهي القضايا التي تحصل بمجرد العقل ، أي لا يتوقف حكم العقل بها إلا على تصور طرفيها فقط ، سواء كان تصور طرفيها جزئيا ، كعلمك أي كتصديقك بوجودك ، أو كليا ، كتصديقك بأن النقيضين يصدق أحدهما .

[ ص: 97 ] الثالث : المحسوسات ، وهي القضايا التي يستفيد الإنسان التصديق بها من الحواس الظاهرة . كقولنا : الشمس مضيئة ، والنار حارة .

الرابعة : التجريبيات ، وهي قضايا تحصل بالعادة ، أي بتكرار المشاهدة على وجه يتأكد منها عقد قوي لا شك فيه ، وهي لا تخلو عن قياس خفي مع تكرار المشاهدة ، وهو أن تعلم أن الوقوع المتكرر على نهج واحد لا يكون اتفاقيا . كحكمنا بإسهال المسهل الذي هو السقمونيا مثلا ; فإن بعد تكرر وقوع الإسهال عقيب ملاقاة المسهل البدن ، يحصل ذلك الحكم ، وكحكمنا بإسكار المسكر .

الخامسة : المتواترات ، وهي قضايا تحصل للنفس بالأخبار تواترا أي كثرة متوالية ، موجبة لسكون النفس سكونا تاما ، يزول معه الشك بسبب كثرة الشهادات بحيث يحيل العقل تواطؤ الشهداء على الكذب . كحكمنا بوجود بغداد ومكة .

التالي السابق


الخدمات العلمية