صفحة جزء
ص - ومثل : أينقص الرطب إذا جف ؟ قالوا : نعم . قال : فلا إذا .

ومثال النظير : لما سألته الخثعمية : إن أبي أدركته الوفاة ، وعليه فريضة الحج ، أينفعه إن حججت عنه ؟ فقال : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته ، أكان ينفعه ؟ فقالت : نعم .

فنظيره في المسئول كذلك .

وفيه تنبيه على الأصل والفرع والعلة .

وقيل : إن قوله - عليه الصلاة والسلام - لما سأله عمر عن قبلة الصائم : " أرأيت لو تمضمضت ، ثم مججته ، أكان ذلك مفسدا ؟ فقال : لا " . من ذلك .

[ ص: 95 ] وقيل : إنما هو نقض لما توهمه عمر - رضي الله عنه - من إفساد مقدمة الإفساد ، لا تعليل لمنع الإفساد ، إذ ليس فيه ما يتخيل مانعا ، بل غايته أن لا يفسد .


ش - الثاني من وجوه الإيماء : أن يقدر الشارع وصفا لو لم يكن تقديره للتعليل ، لكان تقديره من الشارع بعيدا، سواء كان التقدير في محل السؤال ، أو في نظيره .

مثال التقدير في محل السؤال : ما روي أنه سئل - عليه السلام - عن بيع الرطب بالتمر ، فقال - عليه السلام : أينقص الرطب إذا جف ؟ فقالوا : نعم . فقال : فلا إذا .

فإنه لو لم يكن تقدير نقصان الرطب بالجفاف لأجل التعليل ، لكان تقديره بعيدا ; إذ لا فائدة فيه حينئذ ; لأن الجواب يتم بدونه .

مثال التقدير في نظير محل السؤال : ما روي أنه لما سألته - عليه السلام - الخثعمية ، وقالت : يا رسول الله ، إن أبي أدركته الوفاة ، وعليه فريضة الحج ، أينفعه إن حججت ؟ فقال - عليه السلام : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته ، أكان ينفعه ؟ فقالت : [ ص: 96 ] نعم .

فإنه لو لم يكن تقدير قضاء الدين عن الميت لأجل تعليل النفع به ، لكان تقديره بعيدا .

ولما كان الوصف المقدر في غير المسئول علة للحكم ، وجب أن يكون نظير ذلك الوصف في المسئول علة للحكم ، فإن في كلام الرسول - عليه السلام - تنبيها على الأصل الذي هو دين الآدمي على الميت ، وعلى الفرع الذي هو الحج الواجب عليه ، وهو نظير لدين الآدمي ، وعلى العلة التي هي قضاء الدين عن الميت .

واختلف الأصوليون في قوله - عليه السلام - لما سأله عمر عن قبلة الصائم : أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته ، أكان ذلك [ ص: 97 ] مفسدا ؟ فقال عمر : لا .

فقال بعض الأصوليين : هو من مثال النظير ، فإنه - عليه السلام - قدر الوصف في نظير المسئول ، ورتب الحكم عليه ، ونبه على الأصل والفرع والعلة .

وقال بعضهم : إنما هو نقض لما توهمه عمر من إفساد مقدمة الإفساد ، أي توهم عمر أن القبلة التي هي مقدمة الوقاع المفسد مفسد ، فنقض الرسول - عليه السلام - ذلك بالمضمضة ; فإنها مقدمة الشرب المفسد ، مع أنها غير مفسدة ، لا تعليل لمنع الإفساد ، أي لم يقدر الرسول - عليه السلام - تمضمض الماء لتعليل منع الإفساد ; إذ ليس في تمضمض الماء ما يتخيل أن يكون مانعا من الإفساد ، فإن مقدمة المفسد لا يتخيل منها منع الإفساد ، بل غاية التمضمض أن لا يفسد ; لأن غاية المقدمة أن لا تقام مقام ما تكون مقدمة له ، إلا أن تكون مانعة مما يقتضيه .

التالي السابق


الخدمات العلمية