صفحة جزء
ص - الطرد والعكس .

[ ص: 135 ] ثالثها : لا يفيد بمجرده قطعا ولا ظنا .

لنا : أن الوصف المتصف بذلك إذا خلا عن السبر ، أو عن أن الأصل عدم غيره ، أو غير ذلك ، جاز أن يكون ملازما للعلة ، كرائحة المسكر ، فلا قطع ولا ظن .

واستدل الغزالي - رحمه الله - بأن الاطراد : سلامته من النقض ، وسلامته من مفسد واحد لا توجب انتفاء كل مفسد .

ولو سلم ، فلا صحة إلا بمصحح ، والعكس ليس شرطا فيها ، فلا يؤثر .

وأجيب : قد يكون للاجتماع تأثير ، كأجزاء العلة ، واستدل بأن الدوران في المتضايفين ، ولا علة .

وأجيب : انتفت بدليل خاص مانع .


ش - ومن المسالك الدالة على العلية : الطرد والعكس ، وهو الدوران .

ونعني بالدوران ترتب الحكم على الوصف وجودا وعدما ، أي يلزم من وجود الوصف وجود الحكم ، وهو الطرد ، ومن عدم الوصف عدم الحكم ، وهو العكس .

[ ص: 136 ] مثاله : ترتب وجوب الرجم على الزنا بشرط الإحصان ، فإنه يلزم من وجوده وجوب الرجم ، ومن عدمه وجوب الرجم ، واختلفوا في عليته على ثلاثة مذاهب :

أولها : أنه يفيد العلية قطعا .

وثانيها : يفيد العلية .

وثالثها المختار عند المصنف : أنه لا يفيد بمجرد الدوران قطع العلية ولا ظنها ، ما لم ينضم إليه أحد المسالك الدالة على العلية ، كالسبر والتقسيم ، وغير ذلك .

واحتج بأن الوصف المتصف بالطرد والعكس إذا خلا عن السبر والتقسيم أو عن أن الأصل عدم غيره ، أو غير ذلك من مسالك العلة ، جاز أن لا يكون علة ، بل ملازما للعلة ، كرائحة المسكر فإنها وصف متصف بالطرد والعكس ، فإنه يلزم من وجودها وجود الحرمة ، ومن عدمها الحرمة ، ومع هذا لا تكون علة الحرمة ، بل تكون ملازمة للسكر الذي هو العلة .

وإذا كان كذلك ، فلا يحصل بمجرده قطع العلية ولا ظنها .

واستدل الغزالي على أن الطرد والعكس بمجردهما لا يفيدان العلية ، بأن الاطراد : سلامة الوصف من النقض ; لأن الاطراد عبارة عن تحقق الحكم عند تحقق الوصف ، فيقضي أن [ ص: 137 ] لا يوجد الوصف بدون الحكم ، فيتحقق سلامته عن النقض; لأن النقض تحقق الوصف بدون الحكم .

والنقض مفسد من مفسدات العلية ، وسلامة الوصف عن مفسد واحد لا يوجب انتفاء كل مفسد ، فلا يفيد الاطراد العلية .

ولو سلم أن السلامة عن مفسد واحد ، يوجب انتفاء كل مفسد ، فلا يصح عليته إلا بمصحح ; لأن صحة الشيء إنما يتحقق بوجود مصححه .

والعكس ليس شرطا في العلة ، فلا يؤثر الوصف المتصف بالطرد والعكس في العلية ; لأن الاطراد لا يفيد العلية ، والعكس غير معتبر .

أجاب بأنه لا يلزم من عدم إفادة كل واحد من الطرد والعكس العلية على سبيل الانفراد ، أن لا يكون مجموعهما مفيدا للعلية ، فإن للهيئة الاجتماعية تأثيرا في العلية ، فجاز أن لا يكون كل واحد منهما مؤثرا في العلية حالة الانفراد ، ويكون عند الاجتماع مؤثرا .

وذلك كأجزاء العلة ، فإن كل واحد منها حالة الانفراد غير مؤثر ، وعند الاجتماع يكون مؤثرا .

[ ص: 138 ] واستدل أيضا بأن الدوران لا يفيد العلية ; لأنه وجد في المتضايفين ، كالأبوة والبنوة . فإنه كلما تحقق أحدهما ، تحقق الآخر ، وكلما انتفى أحدهما ، انتفى الآخر ، ولا يكون أحدهما علة للآخر .

أجاب بأن الدوران إنما يفيد العلية بشرط أن لا يكون مانع ينفي العلية .

وفي المتضايفين انتفت العلية لسبب مانع ، وهو كون كل منهما مع الآخر .

التالي السابق


الخدمات العلمية