صفحة جزء
ص - لنا : لو لم يجب الشرط لم يكن شرطا . وفي غيره لو استلزم الواجب وجوبه - لزم تعقل الموجب له ، ولم يكن تعلق الوجوب لنفسه ، ولامتنع التصريح بغيره ، ولعصى بتركه ، ولصح قول الكعبي في نفي المباح ، ولوجبت [ نيته ] .


ش - لما فرغ عن تحرير المذاهب ، أقام الدليل على أن ما لا يتم الواجب إلا به ، إن كان شرطا ، فهو واجب ، وإن كان غير شرط فليس بواجب .

أما الأول فتقريره أن يقال : لو لم يكن الشرط واجبا ، لم يكن هو شرطا . والتالي باطل ; لأنه خلاف المفروض ، فيلزم بطلان المقدم .

بيان الملازمة أن الشرط إذا لم يكن واجبا ، جاز تركه ، فإذا تركه فلا يخلو إما أن يكون الفعل حينئذ مأمورا به أو لا ، والثاني باطل ، وإلا يلزم أن يكون وجوب الشيء مقيدا بوقت وجود الشرط ، وهو خلاف المفروض .

والأول لا يخلو إما أن يكون الفعل ممكن الحصول عند عدم الشرط أو لا .

[ ص: 371 ] والثاني باطل وإلا يلزم تكليف ما لا يطاق فيتحقق الأول ، فلا يكون شرطا .

وأما الثاني فمن ستة وجوه : الأول : أنه لو استلزم الواجب وجوب غير الشرط مما لا يتم إلا به ، لزم تعقل الموجب ، أي الأمر لغير الشرط ; لاستحالة إيجاب الشيء مع الذهول عنه .

والتالي باطل فإن الموجب للشيء قد يغفل عن ما يتوقف عليه ، فيلزم بطلان المقدم .

الثاني : أنه لو استلزم الواجب وجوب غير الشرط لم يكن تعلق الوجوب الذي هو طلب الوجود مع منع النقيض بغير الشرط لنفس الوجوب أو لنفس ذلك الغير ; لأن اللفظ يحتملهما; لتوقف تعلق الوجوب على تعلقه بملزومه . والتالي باطل ; لأن الطلب لا يعقل تعلقه بشيء غير المطلوب ، فيلزم بطلان المقدم .

الثالث : أنه لو استلزم الواجب وجوب غير الشرط ، لامتنع التصريح بغير وجوبه ، أي امتنع التصريح بأن غير الشرط لا يكون واجبا ; لأنه يناقض الحكم بكون الواجب مستلزما لوجوبه . والتالي باطل للقطع بأنه يصح أن يقول الشارع : أوجبت عليكم غسل الوجه ، وما أوجبت عليكم غسل شيء من الرأس .

الرابع : لو كان الواجب مستلزما لوجوب غير الشرط ، لعصى المكلف بتركه . والتالي باطل فالمقدم مثله . أما الملازمة فظاهرة .

[ ص: 372 ] وأما انتفاء التالي ; فلأن تارك الصوم يكون عاصيا بترك الصوم ، لا بترك إمساك جزء من الليل .

الخامس : أنه لو استلزم وجوبه ، لصح قول الكعبي في نفي الفعل المباح في الشرع . والتالي باطل لما سنذكره ، فالمقدم مثله .

بيان الملازمة أن المباح يحصل به ترك الحرام ، وما يحصل به ترك الحرام يكون واجبا .

السادس : أنه لو كان غير الشرط مما لا يتم الواجب إلا به ، واجبا لوجبت نيته ; لأنه عبادة شرعية . والتالي باطل بالإجماع فيلزم بطلان المقدم .

ولقائل أن يقول على الأول : لا نسلم لزوم تعقل الموجب له ، وإنما يلزم أن لو كان الوجوب بالأصالة ، أما إذا كان بالتبعية فلا . سلمناه لكنه منقوض بوجوب الشرط .

وعلى الثاني : إن أراد بالتعلق لنفسه : [ التعلق ] بالأصالة ، فلا نسلم انتفاء التالي ; فإن تعلق الوجوب بالمقدمات ليست بالأصالة بل بالفرعية ; لتعلق الوجوب بملزومها أولا ، وبواسطة الملزوم يتعلق بها .

[ ص: 373 ] وإن أراد به تعلق الوجوب الفرعي بالمقدمات ليس من مقتضاه ، فمنعه ظاهر ; فإن الوجوب الأول يتعلق بالشيء ، ثم نشأ منه الوجوب الثاني ، فتعلق الوجوب الثاني الفرعي بالمقدمات لذاته . وأيضا فمنقوض بوجوب الشرط .

وعلى الثالث أن غسل جزء من الرأس ليس بواجب على كل أحد ; إذ الوجوب عندهم إنما يتحقق بالنسبة إلى العاجز عن الإتيان بغسل الوجه ، دون غسل جزء من الرأس لا القادر . وعند ذلك فالملازمة ممنوعة في صورة القادر ، ونفي التالي في صورة العاجز .

وبه خرج الجواب على الرابع . ويقال على الرابع أيضا : لا نسلم نفي اللازم ; فإن تركه يوجب ترك الواجب بالذات ; لأن الواجب بالذات لا يتم بدونه فيكون تركه سببا للعصيان . على أنه منقوض بوجوب الشرط .

وعن الخامس أنه يلزم نفي المباح إن لم يحصل ترك الحرام إلا بفعل المباح . أما إذا حصل بغيره فلا ; لأنه حينئذ لا يكون المباح مقدمة للواجب .

وعن السادس : لا نسلم الملازمة . وإنما يلزم أن لو كان غير الشرط مقصودا بالذات . أما إذا كان مقصودا بالعرض فلا .

التالي السابق


الخدمات العلمية