صفحة جزء
ص - [ استدل ] الشافعي - رضي الله عنه - : ويتبع غير سبيل المؤمنين .

وليس بقاطع ; لاحتمال في متابعته أو مناصرته ، أو الاقتداء به ، أو في الإيمان ، فيصير دورا ; لأن التمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع ، بخلاف التمسك في القياس .


[ ص: 537 ] ش - لما فرغ عن الدليلين القطعيين ، شرع في الأدلة التي ذكرها المتقدمون ، وزيفها .

ومن جملتها ما تمسك به الشافعي ، رضي الله عنه . وهو قوله تعالى : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين .

جمع في الآية بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد . فيجب أن يكون اتباع غير سبيل المؤمنين حراما ، وإلا لما جمع بينه وبين الحرام الذي هو المشاقة في الوعيد ; لأنه لا يجوز الجمع بين مباح وحرام في الوعيد ، كما لا يجوز أن يقال : إن زنيت وشربت الماء ، عاقبتك . وإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراما ، كان اتباع سبيل المؤمنين واجبا . والحكم المجمع عليه هو سبيل المؤمنين ; لأن المراد من السبيل في الآية : ما اختاره الإنسان لنفسه من قول أو فعل .

وزيفه المصنف بأن ما ذكره ليس بقاطع في وجوب متابعة الإجماع ; لأن اتباع سبيل المؤمنين عام يتناول اتباعهم في متابعة الرسول - عليه السلام - واتباعهم في مناصرته - عليه السلام - ودفع الأعداء عنه . أو اتباعهم في الاقتداء بالرسول - عليه السلام - ، أو اتباعهم بالإيمان به . ودلالة العام على فرد من أفراده على التعيين ليس بقطعي ; لجواز تخصيص العام ، وإخراج ذلك الفرد منه . وإذا لم يكن قطعيا ، وتمسك به في كون الإجماع حجة ، لزم الدور . لأن غاية ما في الباب أنه يدل [ ص: 538 ] على وجوب اتباع سبيل المؤمنين ظاهرا . والظاهر إنما يثبت كونه حجة بالإجماع . فلو أثبتنا كون الإجماع حجة بها ، لزم الدور .

وهذا بخلاف التمسك بمثل هذا الظاهر في كون القياس حجة [ كالتمسك ] بقوله تعالى : فاعتبروا ياأولي الأبصار ] فإنه لا يوجب الدور ; لأن التمسك بالظاهر ما ثبت بالقياس ، فلا يلزم الدور .

وفيما ذكره المصنف من لزوم الدور نظر ; لأنه يلزم الدور أن لو لم يكن غير الإجماع دليلا على أن الظاهر حجة وهو ممنوع ; لجواز أن يكون نص قاطع دالا على كون الظاهر حجة ، أو استدلال قطعي .

كما يقال : الظاهر مظنون ، وكل مظنون يجب العمل به قطعا ; لأنه لو لم يعمل بواحد من النقيضين يلزم رفعهما ، وإن عمل بهما يلزم اجتماعهما ، وإن عمل بالطرف المرجوح ، يلزم خلاف صريح العقل . فتعين العمل بالمظنون .

التالي السابق


الخدمات العلمية