أحكام القرآن الكريم للطحاوي

الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

صفحة جزء
وقال قائلون منهم : ليس فيما زاد على خمس أواق من الورق صدقه حتى تكون الزيادة أوقية وهي أربعون درهما ، وممن قال ذلك منهم : أبو حنيفة . ورووا ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - .

539 - حدثنا علي بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، قال : حدثنا يحيى بن أيوب ، قال : حدثني حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : " جعلني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على الختانة ، وأمرني أن آخذ إذا بلغ المسلم ماله مائتي درهم خمسة دراهم ، وما زاد ففي كل أربعين درهم ، وجعل أبا موسى الأشعري على الصلاة " .

وهذان القولان فهما اللذان وجدناهما في هذا الباب من أقوال المتقدمين ، لا ثالث لهما .

ولما اختلفوا في ذلك نظرنا فيما اختلفوا فيه منه لنعطفه على ما يجمعون عليه من أشكاله ، فوجدنا الأصل المتفق عليه أنه لا شيء في المواشي السائمة من الإبل ، والبقر ، والغنم ، حتى تبلغ عددا معلوما ، ثم لا شيء فيما زاد على ذلك العدد المعلوم حتى تبلغ عددا آخر معلوما ، ثم كذلك هي أبدا ما تناهت فيها زيادة ترجع من عدد معلوم فيكون فيما زاد فيه بحساب ما قبله من العدد المعلوم .

فلما كان ما ذكرنا كذلك ، وكانت الورق لا تجب الزكاة فيها حتى تبلغ وزنا معلوما ولم يكن في هذا الباب الذي ذكرنا من أقوال أهل العلم من المتقدمين غير القولين اللذين حكيناهما ، وكان في أحدهما سقوط المقدار المعلوم فيما زاد على الخمس أواق ، وكان في الآخر ثبوت المقدار المعلوم فيما زاد عليها بثبت المقدار المعلوم الذي ذكرنا فيها وهو الأوقية التي وزنها أربعون درهما كما قال أبو حنيفة .

وكان من حجة أبي يوسف في ذلك على أبي حنيفة أنه قد وجدنا السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا صدقة في أقل من خمسة أوسق ، وكان ما زاد على الخمسة مما تخرج الأرض ففيه من الزكاة بحساب ذلك .

قال : وما تخرج الأرض مما ذكرنا فمكيل ، وما فيه الزكاة من الورق الذي وصفنا [ ص: 268 ] فموزون ، وما فيه الزكاة من المواشي التي ذكرنا فمعدود ، فالموزون بالمكيل أشبه منه بالمعدود .

وكان من الحجة على أبي يوسف لأبي حنيفة أنا قد رأينا ما تخرج الأرض تجب فيه الزكاة بخروجه منها ، لا بحول يأتي عليه بعد ذلك ، فإذا أديت عنه الزكاة لم تجب فيه بعد ذلك زكاة ، وخرج من أموال الزكاة .

ورأينا الدراهم والدنانير ليست كذلك ، فلا تجب الزكاة فيها حتى يحول الحول عليها بعد ملك الذي ملكها إياها ، ثم لا يخرج بعد ذلك الأداء عليها من حكم الزكاة فيها عند كل حول يأتي عليها عنده ، وكانت الدراهم التي هذا حكمها بالسواء ، ثم التي هذا حكمها أشبه منها بما يخرج من الأرض مما حكمه خلاف ذلك .

وحجة أخرى : أنا قد رأينا يوسف قد قال فيمن أخرجت أرضه خمسة أوسق مما يجب فيه العشر أو نصف العشر وعليه دين : إن الدين الذي عليه لا يسقط الزكاة مما أخرجته الأرض ، وإنه لو كان عنده خمس أواق من الورق أو خمس ذود من الإبل ، أو ثلاثون من البقر ، أو أربعون من الغنم سالمة وعليه دين ، إن الدين الذي عليه يسقط عنه حكم الزكاة فيما له من ذلك ، فسوى بين حكم الورق وبين حكم المواشي في ذلك ، وخالف بين حكم ذلك كله وبين حكم ما أخرجته الأرض .

وإن أرضا لو كانت لصبي لم يبلغ ، أو لمجنون مطبق عليه ، فأخرجت خمسة أوسق مما فيه الزكاة ، إن فيما أخرج من ذلك الزكاة كهو لو كان لرجل بالغ صحيح ، وأنه لا زكاة عليهما في ذهبهما ، ولا في ورقهما ، ولا في سوائمهما فحكم الورق والذهب في ذلك أيضا بحكم المواشي ، لا بحكم ما تخرجه الأرض .

وإن أرضا لو كانت لرجل بالغ صحيح ، فأخرجت خمسة أوسق مما تجب فيه الزكاة ، ثم مات قبل أدائه الواجب عليه في ذلك ، إنه مأخوذ بعد موته كما كان مأخوذا في حياته ، وإنه لو كانت له ورق أو ذهب ، أو سوائم فوجبت فيها الزكاة ، ثم مات قبل أدائه الواجب عليه فيها إنه غير مأخوذ بعد وفاته ، فحكم لذلك أيضا بحكم المواشي ، وجعل حكمها حكم الورق والذهب في ذلك حكما واحدا ، وخالف بين ذلك وبين حكم ما أخرجته الأرض في أشباه لهذا كثيرة ، يغني ما ذكرنا منها عن ذكر جميعها .

ويجب بما ذكرناه منها لأبي حنيفة على أبي يوسف اشتباه حكم الورق والذهب بالمواشي ، لا بحكم ما تخرج الأرض ، على أن أبا حنيفة لم يكن يقول : إنه لا شيء فيما تخرج الأرض حتى يكون خمسة أوسق كما قال أبو يوسف رحمه الله ، بل كان يقول : ما أخرجت الأرض من قليل وكثير غير الحطب والقصب والحشيش ، ففيه العشر أو نصف [ ص: 269 ] العشر ، وذهب إلى أن ما روي في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا توقيت فيه أولى مما روي عنه في ذلك بالتوقيت .

وقد تقدمه في قوله هذا مجاهد ، وإبراهيم النخعي ، وسنأتي بذلك وبما روي فيه مما يوافق كل واحد من المذهبين ، وما يوجبه النظر لكل واحد من القولين على الآخر في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى .

فكان احتجاج أبي يوسف فيما اختلف فيه هو وأبو حنيفة فيه مما ذكرنا غير لازم لأبي حنيفة ، وهذا الذي ذكرناه في الأموال العين من الورق ، والذهب ، وفي النقر منها .

فأما ما كان من الدراهم والدنانير دينا على ملئ ، مقر به ، فهو كالعين منها في جميع ما ذكرنا ، والزكاة فيه واجبة كوجوبها في العين منها ، إلا أن زكاته التي تجب فيه أيضا على الذي هي عليه أن يخرجها منه إذا قبضه ، وإن أخرج ذلك من ماله الذي في يده عن الدين الذي له أجزأ ذلك عنه .

التالي السابق


الخدمات العلمية