أحكام القرآن الكريم للطحاوي

الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

صفحة جزء
فإن قال قائل : أفهو مالك لما في يده كما يقول مالك بن أنس وأصحابه في ذلك ؟ قيل : ليس هو مالك لما في يده .

فإن قال : وما يمنعه من الملك لما في يده وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من باع عبدا له مال فماله للبائع لا أن يشترط المبتاع " وذكر في ذلك ما :

548 - قد حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، والليث ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : " من باع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع " .

549 - وما قد حدثناه إسماعيل بن يحيى المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " من باع عبدا له مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع " . [ ص: 278 ] .

قالوا : وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب أيضا ، فذكروا ما :

550 - قد حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أن مالكا أخبره ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن عمر ، قال : " من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع " .

قالوا : فجعل العبد في هذين الحديثين ذا مال .

قيل لهم : بل في هذين الحديثين ما قد نفى ملك العبد للمال الذي في يده ؛ لأن فيهما ، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ، فقد جعل ما أضيف إلى العبد فيهما للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ، فيكون له دون العبد .

فعقلنا بذلك أنه قد جعل ما أضيف إلى العبد فيما لا حقيقة ملك فيه للعبد ، وأنه كالباب المضاف إلى الدار الذي يقال له : باب الدار ، وكالحبل المضاف إلى الدابة الذي يقال له : حبل الدابة ، لا على أن الدار مالكة للباب المضاف إليها ، ولا على أن الدابة مالكة للحبل المضاف إليها .

551 - وقد حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أن مالكا أخبره ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع " .

552 - حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " من باع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع " .

فلم يكن ما أضافه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الثمر إلى النخل بقوله : " فثمرتها للبائع " على أن النخل لا تملك شيئا ، ولكن على الإضافة التي لا حقيقة ملك معها . وقد جاء كتاب الله - عز وجل - بمثل هذا المعنى ، وهو قوله - عز وجل - : ( وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ) .

ولما كان المولى له أخذ ما في يد عبده لأنه مالكه دون عبده ، استحال أن يكون أخذه [ ص: 279 ] إياه من بلا حق ، كان لعبده فيه ، ولو كان لعبده فيه حق كان له أن يمنعه منه بحقه فيه ، ولأنه قد يبين بحقوقه عنه .

ألا ترى أنه لو أراد أن يحول بين عبده وبين أزواجه لم يكن له ذلك ؛ لأن النكاح حق لعبده قد بان به منه ، فعقلنا بذلك أن العبد إذا بان بشيء عن مولاه حتى يصير مالكا له كان في ملكه إياه كالحر في ملكه لمثله ، وكان له أن يمنع مولاه مما هو له دونه ، كما يمنع الأحرار بعضهم بعضا مما يملكون .

التالي السابق


الخدمات العلمية