أحكام القرآن الكريم للطحاوي

الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

صفحة جزء
واختلفوا في الذهب والورق الموجودين في المعادن ، فقال بعضهم : لا شيء فيما وجد منها حتى يكون من الذهب عشرين مثقالا ، ومن الورق خمس أواق فتجب فيها الزكاة مكانه ، وما زاد على ذلك أخذ منه بحساب ذلك ما دام المعدن نيل ، فإن انقطع ثم جاء بعد ذلك نيل فهو مثل الأول تبدأ فيه الزكاة مكانه كما ابتدئت في الأول .

قال : والمعادن بمنزلة الزرع تؤخذ منها الزكاة كما تؤخذ من الزرع إذا حصد ، ولا ينتظر بذلك حتى يحول عليه الحول ، وممن قال بذلك منهم : مالك ، والليث حدثنا يونس ، قال حدثنا ابن وهب ، عن مالك ، والليث بهذا الذي حكيناه عنهما .

وقد روي هذا عن الشافعي رحمه الله واحتج أهل هذا المذهب لمذهبهم هذا بحديث رووه في ذلك .

661 - حدثنا يحيى بن عثمان ، قال : حدثنا نعيم ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد [ ص: 327 ] الأندراوردي ، عن ربيعة بن الحارث بن بلال بن الحارث ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أخذ من معادن القبلية الصدقة ، وأنه قطع لبلال بن الحارث العقيق أجمع " .

فلما كان عمر قال لبلال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعطك لتحتجبه عن الناس ، ولم يعطك إلا لتعمل .

قال : فقطع عمر للناس العقيق .


فكان من الحجة عليهم في ذلك أن أصل هذا الحديث كما رووه في إسناده ، ولا في متنه فيما رواه من هو أثبت وأحفظ من الدراوردي .

662 - كما حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، أن مالكا أخبره ، عن ربيعة ، وغير واحد ، " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية ، وهي ناحية الفرع ، فتلك المعادن لا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم " .

فهذا هو أصل هذا الحديث في إسناده وفي متنه ، أما في إسناده فمنقطع غير متجاوز به ربيعة .

وأما في متنه فإن المعادن التي كانت تؤخذ منها تلك الصدقة قد كان بلال ملكها بإقطاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه إياها ، والحكم في المعادن الموجودة في المواضع المملوكة وفي المواضع التي ليست بمملوكة مختلف عند غير واحد من أهل العلم ، منهم : أبو حنيفة ، في حكمها ، وذلك أنهم كانوا يقولون : كل معدن من معادن الذهب أو الورق وما أشبهها في موضع مملوك فلا شيء على مالكيه فيما وجدوه فيه ، وما كان فيها غير موضع مملوك من الصحاري والبراري ففيما وجد فيها من ذلك الخمس ، قل الوجود فيها أو كثر .

حدثنا محمد بن علي ، عن محمد ، عن يعقوب ، عن أبي حنيفة بهذا القول ، وخالفه في ذلك أبو يوسف ، ومحمد ، وسنأتي بقولهما الذي خالفاه إليه في موضعه من هذا الباب إن شاء الله تعالى .

فحديث مالك بن أنس ، عن ربيعة موافق لما ذهب إليه أبو حنيفة ، وأما ما في حديث ربيعة هذا من أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو غيره مما خرج من تلك المعادن [ ص: 328 ] الصدقة ، فقد يجوز أن يكون أراد بذلك الصدقة على مقدارها التي تجب فيه على حولها .

ألا ترى أنه لم يذكر لنا فيها للمأخوذ منه الصدقة مقدار ، وكان ذلك عندهم جميعا على المقدار التي تجب فيه الصدقة من الأموال سوى أموال المعادن ، فلذلك حكم ذلك في الحول حكم سائر الأموال ، سوى أموال المعادن .

وقد وجدنا حكم الفوائد من غير المعادن لا زكاة فيها إلا ببلوغ المقدار المعلوم منها ، وحلول الحول عليها ، والفائدة من المعادن في القياس كذلك ، وليس لأحد أن يدخل في آي الزكوات اللاتي تلونا من كتاب الله - عز وجل - في أول كتابنا شيئا ، إلا بما يجب له إدخاله فيها .

التالي السابق


الخدمات العلمية