أحكام القرآن الكريم للطحاوي

الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

صفحة جزء
فأما من كان ترجى له القوة على الصيام في المستأنف ، فإنه لم يكن عنده كذلك ، والمرأة الحامل أو المرضع ، إذا أفطرت فهي ممن لم تؤنس لها من القدرة على القضاء في المستأنف ، فهي ممن لا تؤمر بالإطعام الذي يكون بدلا من الصيام حتى يسقط عنها فرض الصيام .

ومما يدل على صحته مما ذكرنا ، عن سعيد مما خالفه فيه هشام أن أحمد بن الحسن [ ص: 422 ] .

917 - قد حدثنا ، قال : حدثنا أسباط بن محمد الهرسي ، قال : حدثنا عبد الملك ، عن عطاء ، وسعيد بن جبير ، في قول الله - عز وجل - : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) ، قال : " هو الشيخ الكبير لا يستطيع الصوم ، يتصدق كل يوم على مسكين " .

فهذا سعيد إنما قصد بالطاقة في ذلك الطاقة التي معها المشقة والجهد ، اللذان يجب لمن به ، لأنه حكم العجز ، وذكر ذلك في الشيخ الكبير الذي لا ترجى له طاقة في المستأنف على الصيام . فدل ذلك أن ما رواه ، عن ابن عباس كذلك أيضا .

وقد روي ، عن ابن عباس من طريق ابن جبير ما يدل على ما رواه سعيد بن أبي عروبة .

918 - حدثنا إبراهيم بن سعد ، قال : حدثنا إدريس بن يحيى ، عن بكر بن رمضان ، قال : حدثنا عمر بن الحارث ، عن بكير بن الأشج ، أن كريبا حدثه ، أن ابن عباس ، قال : " يفتدي الكبير إذا لم يكن يطيق الصيام بذلك " .

كذلك أن الكبير الذي لا يطيق الصيام قد دخل عند ابن عباس في المأمورين بالإطعام في هذه الآية ما يثبته المقتدون لمذهب ابن عباس فيما اختلف فيه سعيد ، وهشام ، عن قتادة ما رواه سعيد عنه ، لا ما رواه هشام ، وقد روي عن أنس ، وقيس بن السائب صاحبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهما افتديا بالإطعام من الصوم لما ضعفا عنه كما :

919 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا معاذ بن هشام ، قال : حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن أنس : " أنه ضعف عن الصوم سنة قبل موته فأفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا " .

920 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا سعيد بن عامر السبيعي ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس : أن أنسا كان يطعم كل يوم مسكينا حين ضعف عن الصوم " .

921 - حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن قيس بن السائب ، قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لي شريكا ، فخير شريك لا يماري ينظر ولا يداري ، وكان قيس قد كبر ، فكان يطعم عن نفسه لكل إنسان في شهر رمضان في كل يوم مدين ، فأطعموا عني صاعا " [ ص: 423 ] .

قال أبو جعفر رحمه الله : يداري يعني الكلام المذموم ، يقال : أيداري علي إذا أغلظ له ، وقيس مولى مجاهد فدل ما ذكرنا فيما تقدم أن الإطعام المذكور في الآية التي تلونا ثابت حكمه غير منسوخ ، وأنه أريد به العاجزون عن الصوم الذين لا يرجى لهم عليه طاقة في المستأنف كما ذكرنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية