أحكام القرآن الكريم للطحاوي

الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

صفحة جزء
واختلفوا في المعتكف هل يكون له أن يتشاغل وهو في معتكفه بما ليس من أسباب الاعتكاف من الشراء ، والبيع ، والحديث بسائر أنواع الحديث التي لا آثام فيها ؟

فأطلق بعضهم له ذلك ، وممن قال ذلك أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، فيما حدثنا سليمان ، عن أبيه ، عن محمد ، عن أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، وعن أبيه ، عن محمد بذلك .

وكرهه بعضهم وقال : المعتكف يشتغل باعتكافه ، لا يعرض لغيره مما يشغل به نفسه من التجارات وغيرها وممن قال ذلك مالك . حدثنا بذلك يونس ، عن ابن وهب ، عن مالك .

ولما اختلفوا بذلك هذا الاختلاف الذي ذكرنا ، نظرنا هل روي في ذلك شيء يدل ما الواجب الذي اختلفوا فيه من ذلك ؟ [ ص: 477 ] .

فأما أبو حنيفة فاحتج بذلك بما حدثنا سليمان ، عن أبيه ، عن محمد ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة بنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصمت .

1087 - حدثنا محمد بن عبد الحكم ، قال : حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ، عن أبي حنيفة ، عن عدي بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن أبي الشعثاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه " نهى عن الوصال ، وعن صوم الصمت " .

وقد وجدنا نحن من بعد هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المعنى الذي ذكرنا ، ما يدل على الوجه فيه وكيف هو ؟ وذلك .

1088 - أن فهدا حدثنا ، قال : حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، قال : حدثني علي بن الحسن ، أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أخبرته : أنها جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان ، فتحدثت عنده ساعة ، ثم قامت تنقلب ، وقام النبي - صلى الله عليه وسلم - معها يقلبها ، حتى إذا بلغت باب المسجد الذي عند باب أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بهما رجلان من الأنصار ، فسلما على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم بعدا .

فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : " على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي " ، فقالا : سبحان الله يا رسول الله ، وكبر ذلك عليهما .

فقال : النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم ، إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا " .


1089 - حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا عبد الغفار بن عبد الله ، عن صالح ، عن الزهري ، عن علي بن حسين ، عن صفية ابنة حيي : أنها خرجت تزور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو معتكف في المسجد ، فتحدثت عنده ساعة من العشاء ، ثم خرج حتى إذا كان عند باب أم سلمة أو باب عائشة مر رجلان من الأنصار ، فسلما .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " على رسلكما إنما هي صفية ابنة حيي " فسبحا وأعظما ذلك ، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا " .
[ ص: 478 ] .

فوجدنا في هذا الحديث تشاغل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمحادثة صفية ، وبتشييعه إياها إلى باب المسجد وليسا من الاعتكاف ، وهو حينئذ معتكف .

فعقلنا بذلك أنه لا بأس على المعتكف أن يتحدث ، وأن يفعل في اعتكافه ما ليس بمحرم عليه ، حرمته في نفسه ، ولا بسبب تحريم الاعتكاف إياه عليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية