أحكام القرآن الكريم للطحاوي

الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

صفحة جزء
فأما عروة فروى عنها في ذلك أنهم إنما كانوا أهلوا بالعمرة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم بعد ذلك : " من لم يكن معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا " .

1277 - كما حدثنا يونس ، قال حدثنا ابن وهب ، أن مالكا ، حدثه ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، فأهللنا بالعمرة ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا . قالت : فقدمت مكة وأنا حائض ، فلم أطف بالبيت ، ولا بين الصفا والمروة ، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : انقضي رأسك ، وامتشطي ، وأهلي بالحج ، ودعي العمرة . قالت : ففعلت ، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن إلى التنعيم ، فاعتمرت ، فقال : هذه مكان عمرتك .

[ ص: 81 ] قال : فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، ثم حلوا ، ثم طافوا طوافا أخيرا بعد أن رجعوا من منى بحجهم ، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا .


ففي هذا الحديث أن الناس قد كانوا ابتدأوا الإحرام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة ، ثم أضاف بعضهم إليها حجة ، وفيه ما يدل على أن الذين جمعوا بين الحج والعمرة لم يحلوا من حجهم ، ولم يكونوا ممن فسخ الحج وفيه أيضا ما يدل على أن الذين كانوا حلوا ثم أحرموا بالحج ، إنما كانوا حلوا من عمرة ، ثم أحرموا بالحج بعد ذلك بمكة وهذا الحديث فليس فيه شيء من فسخ الحج المذكور في غيره ، وقد روى هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة في هذه القصة خلاف هذا المعنى وذلك أن :

1278 - محمد بن خزيمة ، حدثنا ، قال حدثنا حجاج ، قال حدثنا حماد بن سلمة ، قال أخبرنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين هلال ذي الحجة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شاء أن يهل بالعمرة فليهل ، ومن شاء أن يهل بالحج فليهل . فأما أنا فإني أهل بالحج ، لأن معي الهدي .

قالت عائشة : فمنا المهل بالحج ، ومنا المهل بالعمرة ، فلبيت بعمرة قالت : فأزفني نوم .


قال أبو جعفر : فذكر حرفا معناه " فأدركني يوم عرفة وأنا حائض ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعي عمرتك ، وانفضي شعرك ، وامتشطي ، ولبي بالحج ، فلما [ ص: 82 ] كانت ليلة البطحاء طهرت ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر ، فذهب بها إلى التنعيم ، فلبت بالعمرة قضاء لعمرتها " .

1279 - وإن أبا بكرة بكار بن قتيبة ، وأبا عمرو محمد بن خزيمة ، حدثنا جميعا ، قالا : حدثنا عثمان بن الهيثم ، قال حدثنا ابن جريج قال : أخبرني هشام بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : من شاء فليهل بالحج ، ومن شاء فليهل بالعمرة ، فحضت ، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمرني أن أنفض رأسي ، وأمتشط ، وأدع عمرتي .

ووافق هشام بن عروة على ما رواه ، عن أبيه ، عن عائشة ، عكرمة ، وابن أبي مليكة ، فرويا عن عائشة مثل ذلك أيضا .

1280 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال حدثنا يوسف بن عدي ، قال حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن إسرائيل ، عن يونس ، عن زيد بن الحسن ، عن عكرمة ، عن عائشة ، مثله .

1281 - حدثنا ابن أبي داود ، قال حدثنا يوسف ، قال حدثنا ابن أبي زائدة ، عن نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، مثله .

وفي حديث هشام الذي ذكرناه ، وفي حديثي عكرمة وابن أبي مليكة اللذين وصفنا ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان خيرهم في بدء إحرامهم ، بين الإهلال بالحج وبين الإهلال بالعمرة ، وليس في شيء منها من فسخ الحج شيء .

وقد روى محمد بن عبد الرحمن بن نوفل أبو الأسود هذا الحديث عن عروة ، عن عائشة بألفاظ سوى الألفاظ التي رواه عليها ابن شهاب ، وهشام بن عروة ، عن عروة .

1282 - فحدثنا يونس ، قال أخبرنا ابن وهب ، أن مالكا ، حدثه ، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، أنها قالت : خرجنا مع [ ص: 83 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بالحج ، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج ، فأما من أهل بعمرة فحل ، وأما من أهل بحج ، أو جمع بين الحج والعمرة ، فلم يحلوا حتى كان يوم النحر .

ففي هذا الحديث إحرام بعضهم مع النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة لا حج معها ، وإحرام بعضهم بالحج لا عمرة معه ، وإحرام بعضهم بالحج والعمرة جميعا . وفيه نفى فسخ الحج الذي روي في غيره عن عائشة ، وعن غيرها ممن قد رويناه في هذا الباب .

وفيه أيضا ما يدل على أنهم قد كانوا علموا بالعمرة في أشهر الحج قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم مكة ، لما قدمها له على خلاف ما قال ابن عباس " كانوا يعدون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور " ، وإنهم إنما عرفوا الاعتمار في أشهر الحج لما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه مكة على ما رويناه عنه فيما تقدم من هذا الباب .

التالي السابق


الخدمات العلمية