أحكام القرآن الكريم للطحاوي

الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

صفحة جزء
ولما ثبت أن الصفا والمروة من شعائر الله ، والشعائر العلامات كما ذكرنا ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في حجة الوداع أن يأخذوا عنه مناسكهم ، وقال لهم : لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ، وطاف بينهما .

1307 - كما حدثنا الربيع المرادي ، قال حدثنا أسد ، قال حدثنا حاتم ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم لما انتهى في حجته ، وفي طوافه لها إلى الصفا والمروة ، قال : نبدأ بما بدأ الله به ، يريد قوله : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) .

فصارتا بذلك كسائر شعائر الله في الحج ، وكان تاركهما في حكم تارك ما سواهما من شعائر الحج في وجوب الدم عليه في تركهما ، خلا ما خصت به عرفة ، إذ كان قد جعل من فاته الوقوف بها حتى خرج وقتها ممن قد خرج من الحج إلى غيره ، وخلا ما خص به طواف الزيارة فيما وكد من أمره ، وفيما جعل على تاركه من اللبث في إحرامه حتى يطوفه ، فهذا حمله ما في حديث عائشة الذي قد روي عنها في هذا الباب .

وأما أنس فقد روي عنه في ذلك ما :

1308 - قد حدثنا أبو بكرة ، قال حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال حدثنا سفيان ، عن عاصم ، قال : سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة ، فقال : كانتا من مشاعر الجاهلية ، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما ، فأنزل الله عز وجل : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) إلى قوله ( شاكر عليم ) .

[ ص: 99 ] 1309 - وما حدثنا محمد بن زكريا ، وابن أبي مريم ، قالا : حدثنا الفريابي ، قال حدثنا سفيان ، فذكر باسناده مثله .

1310 - وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال حدثنا حجاج ، قال حدثنا حماد ، قال أخبرنا عاصم الأحوال ، قال : سألت أنسا عن الصفا والمروة ، ثم ذكر مثله ، وزاد قال أنس : وهما تطوع .

1311 - وما حدثنا أبو أمية ، قال حدثنا عارم ، قال حدثنا ثابت وهو أبو زيد ، قال حدثنا عاصم ، قال : قلت لأنس : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) ، كأنكم كنتم تكرهون الطواف بهما ؟ قال : أجل ، كانتا من مشاعر الجاهلية ، وكنا نتقيهما حتى ذكرهما الله عز وجل قال : والطواف بينهما تطوع ، ( ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ) .

1312 - وحدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال حدثنا حجاج بن إبراهيم ، قال حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، قال حدثنا عاصم ، قال : قلت لأنس : أكنتم تكرهون الطواف بين الصفا والمروة حتى نزلت : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) ؟ قال : نعم ، كانتا من شعائر الجاهلية ، وكنا نكره الطواف بهما حتى نزلت هذه الآية .

ففي حديث أنس هذا أنهم كانوا يكرهون الطواف بهما ، لأنهما كانا من شعائر الجاهلية ، وقد كان ما سواهما من الوقوف بعرفة ، والوقوف بمزدلفة ، والطواف بالبيت ، من شعائر الحج في الجاهلية أيضا ، فلما جاء الإسلام ، وذكر الله عز وجل ذلك في كتابه صار من شعائر الحج في الإسلام ، فكان كذلك الطواف بين الصفا والمروة ، بعد ذكر الله عز وجل إياهما في كتابه صار من شعائر الحج في الإسلام وأما قول أنس " وهما تطوع " فإن [ ص: 100 ] ذلك لم يذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو - عندنا - من قوله على ظاهر الآية ، وعلى ظاهر نفي الجناح كقوله عز وجل : ( فلا جناح عليهما أن يتراجعا ) .

فكان ذلك على نفي الحرج عنهما في المراجعة ، فحمل معنى : ( فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) ، على هذا المعنى أيضا .

فكان ما روي عن عائشة من وقوفها على " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن الطواف بينهما " أولى من قوله ، لأنه ليس لأحد التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جعله من سننه ، كما ليس لأحد التخلف عما قد جعله من سننه في الحج سوى ذلك كطواف الصدر ، وكطواف القدوم ، وكالصلاة على إثر الطواف ، وكما سوى ذلك من سائر سننه في الحج والعمرة التي لا يرخص للحاجين ولا المعتمرين في تركهما في حجهم ، ولا في عمرهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية