أحكام القرآن الكريم للطحاوي

الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

صفحة جزء
فإن احتج محتج ممن يقول : الأقراء الأطهار ، بما احتج به الشافعي ، فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر لما أخبره أن عبد الله طلق زوجته حائضا : مره فليراجعها ثم يتركها حتى تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء ، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم .

قال : ففي ذلك ما دل على أن العدة هي الطهر ، إذ كان الطهر هو الوقت الذي ينبغي أن يوقع الطلاق للسنة فيه ، لا الحيض الذي يتصل عند إيقاع الطلاق للسنة فيه .

قيل له : العدة اسم جامع يقع على أشياء مختلفة ، فمن ذلك العدة التي تطلق لها النساء ، هي الأطهار ، ومن ذلك العدة التي يعتددن بها من وفاة أزواجهن عنهن ، وهي أربعة أشهر وعشرا إذا لم يكن حوامل ، ومن ذلك العدة التي يعتددن بها إذ كن حوامل في طلاق الأزواج ، وفي موتهن جميعا ، ومن ذلك العدة التي يعتددن بها من الطلاق إن لم يكن حوامل ، وهي الأقراء التي اختلفنا فيها فكل هذا يسمى عدة ، وكل واحدة منها غير ما سواه منها وإذا كانت هذه الأجناس المختلفة يقع عليها هذا الاسم احتمل أن يكون هذا الاسم أيضا يقع على الطلاق للعدة ، وهو غير ما سواه من العدد ، وهذا عمر الذي خاطبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الذي احتججت به قد قال : إن الأقراء الحيض ، ومذهبك أن من روى حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان أولى بتأويله ، فقد وجب عليك أن يكون عمر في هذا الحديث أولى ممن خالفه في الأقراء .

فإن قلت : إن عبد الله بن عمر قد روى هذا الحديث ، ووقف على ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد روينا عنه في الأقراء أنها الأطهار ؟ .

قيل لك : قد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك فيما ذكرنا في هذا الباب ، وهو [ ص: 378 ] أولى به لموافقة ما كان عمر عليه .

ولما وجدنا الله عز وجل جعل الأقراء مضمنة بالعدد ، فقال : ( ثلاثة قروء ) ، وكان من قول من زعم أنها الأطهار : أنه إذا طلقها في طهر قد مضى أكثره ، أنها تعتد بما بقي منه قرءا مع قرءين كاملين سواه ، فعاد ذلك على مذهبه إلى قرءين وبعض ثالث وهذا بغير ما نصه الكتاب لأنه قد نص جل وعز عددا ، فلا يجوز أن يكون أقل منه .

فإن قال : فقد رأيناه عز وجل قال : ( الحج أشهر معلومات ) ، وكان ذلك في الحقيقة على شوال وذي القعدة وبعض ذي الحجة ، وكما قال عز وجل : ( فإن كان له إخوة فلأمه السدس ) ، فجعل ذلك أكثر أهل العلم على أخوين فصاعدا ، كان كذلك هذا أيضا في الأقراء .

قيل له : لا يشبه هذا الأقراء ، لأنه ما جاء بغير عدد كما قال : أشهر ، وكما قال عز وجل : إخوة ، جاز في ذلك أن يكون على اثنين فصاعدا وإن كان دون الثلاثة .

وأما ما وكد بالعدد فقيل فيه : ثلاثة ، أو أربعة ، أو غير ذلك ، فلا يجوز أن ينقص عن ذلك كما قال عز وجل : ( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ) ، فلم يجز أن يقع ذلك على أقل من ثلاثة أشهر ، كما قال عز وجل : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) ، فلم يجز في ذلك أقل من أربعة أشهر وعشر ، وكما قال عز وجل : ( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ) ، فلم يجز أن يكون ذلك على أقل من أربعة أشهر ، وكما قال عز وجل : ( فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ) فلم يجز أن ينقص عن شيء مما سماه عز وجل من العدد وكذلك قوله عز وجل : ( شهرين متتابعين ) في [ ص: 379 ] كفارة الظهار والقتل ، وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين ، لا يجزئ في شيء من ذلك التقصير عن العدد المذكور فيه وكذلك : ثلاثة قروء لا يجوز أن يكون على أقل من ثلاثة من الأقراء .

فإن قال قائل : فإن في الآية ما يدل على أن المراد هو الطهر ، وذلك الطهر مذكر ، والهاء في جمعه ثابتة كما تقول : ثلاثة أطهار ، وثلاثة رجال ، وثلاثة أثواب والحيضة مؤنثة ، وتسقط الهاء من جمعها كما يقال : ثلاث نسوة ، وكما يقال : ثلاث حيض وقال الله عز وجل : ( ثلاثة قروء ) فكان إدخاله الهاء في الثلاثة دليلا على أنه أراد مذكرا وهو الطهر .

قيل له : ليس في ذلك دليل على ما ذكرت ، لأن الشيء قد يسمى باسمين أحدهما مذكر ، والآخر مؤنث ، فإذا جمع باللفظ الذي هو مذكر منهما استعمل فيه حكم التذكير ، فأثبتت الهاء فيه ، وإذا جمع باللفظ الذي هو مؤنث منهما استعمل فيه حكم التأنيث ، فأسقط الهاء منه ، من ذلك الدار تسمى دارا وتسمى منزلا ، فإذا جمعت بلفظ الدار قيل : ثلاث آدر ، وإذا جمع بلفظ المنزل قيل : ثلاثة منازل .

ومن ذلك الرمح ، يقال له : رمح ، ويقال له : قناءة ، ثم يجمع كل واحد منهما بمثل ما يجمع به مثل لفظه وكذلك الثوب والملحفة وهو شيء واحد ، يجمع بالثوب على التذكير ، وبالملحفة على التأنيث وكذلك القرء والحيض ، هو شيء واحد ، إن جمع بلفظ القرء جمع على التذكير ، وإن جمع بلفظة الحيضة جمع على التأنيث .

فأما وجه النظر في ذلك فإنا رأينا الأمة التي يجعل عليها نصف ما على الحرة ، قد جعلت عدتها حيضتين ، من ذلك أن الحيضة لا تتبعض ، ولو أمكن أن تتبعض لقيل : حيضة ونصف حيضة ، كما قيل في الشهر : شهر ونصف شهر لما أمكن التبعيض في ذلك ، وكما قال عمر بن الخطاب فيما :

[ ص: 380 ] 1932 - حدثنا سليمان بن شعيب ، قال حدثنا الخصيب بن ناصح ، قال حدثنا محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن عمرو بن أويس الثقفي ، قال قال عمر بن الخطاب في عدة الأمة ، لو قدرت على أن أجعلها حيضة ونصفا لفعلت .

وهذا من عمر بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سواه ، ومتابعتهم إياه على ذلك حتى قالوا جميعا : إن عدتها حيضة ونصف ، وحتى قال بذلك التابعون بعدهم ، وتابعوا التابعين حتى أفضى الأمر في ذلك إلى المختلفين في الأقراء اللائي ذكرنا ، فإذا كان على الأمة من العدة مما هو نصف ما على الحرة منها من الحيض ، لا من الأطهار ، كان الذي على الحرة منها أيضا من الحيض ، لا من الأطهار وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا حديثان يثبتان هذا المعنى في الإماء .

1933 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن مظاهر بن أسلم ، عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تطلق الأمة تطليقتين ، وتعتد حيضتين .

1934 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري ، قال حدثنا عمر بن شبيب المسلي ، عن عبد الله بن عيسى ، عن عطية ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

[ ص: 381 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية