أحكام القرآن الكريم للطحاوي

الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

صفحة جزء
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره سلمة بن صخر البياضي عند تظاهره من زوجته ما :

1957 - قد حدثنا أبو أمية ، قال حدثنا عبد الرحمن بن يونس المستملي ، قال حدثنا سفيان بن عيينة ، قال حدثنا ابن عجلان ، وابن إسحاق ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم ، أن رجلا فعله على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بظهر منها ، فأتاها قبل أن يكفر ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة وهو سلمة بن صخر .

1958 - حدثنا يزيد بن سنان ، قال حدثنا يزيد بن هارون ، قال أخبرنا محمد بن إسحاق ، عن محمد بن عمرو ، عن سليمان بن يسار ، عن سلمة بن صخر ، قال : كنت امرءا أستكثر من النساء ، وكنت قد أوتيت في ذلك ما لم يؤت أحد ، فلما دخل شهر رمضان تظاهرت من امرأتي مخافة أن يكون مني شيء في بعض الليل ، فتتابع ذلك بي حتى [ ص: 392 ] أدركني الصبح ، فبينا هي ذات ليلة تخدمني في شهر رمضان إذ تكشف لي منها شيء فوثبت عليها ، فلما فرغت سقط في يدي ، فلما أصبحت أتيت نادي قومي ، فقلت : تعلمون أني قد كنت تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ هذا الشهر ، وقد أصبتها في هذه الليلة انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله .

قالوا : لا ، والله لا ننطلق معك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنا نخاف أن يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا شيء يلومنا عاره ، أو ينزل فيك قرآن مما نكره فنسلمك بجريرتك ، فانطلق أنت حتى تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : أي رسول الله إني كنت تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ هذا الشهر ، وقد أصبتها في هذه الليلة ، فقال لي : أنت بذلك يا سلمة ؟ قال : قلت : نعم ، أنا بذلك يا رسول الله قال : أنت بذلك يا سلمة ؟ . قال : قلت : نعم ، أنا بذلك يا رسول الله ، فانظر ما حكم الله علي ورسوله فامضه ، فإني صابر له .

قال : تجد رقبة تعتقها ؟ . قال : قلت : لا ، والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك رقبة غيرها ، وجعل يمر يده على صفحة عنقه فقال : أتقدر أن تصوم شهرين متتابعين ؟ . قال : قلت : يا رسول الله ، وهل أدخل علي ما أدخل إلا الصوم ؟ قال : فتقدر أن تطعم ستين مسكينا ؟ . قال : قلت : لا ، والذي بعثك بالحق ، لقد بتنا الليلة وحشا قال : فانطلق إلى صدقات بني زريق ، وهم قومه ، فانظر ما اجتمع عندهم من صدقاتهم ، فخذه ، فأطعم وسقا ستين مسكينا ، واستعن بسائره عليك وعلى عيالك .

فأتيت قومي ، فقالوا : ما وراءك ؟ قلت : خير ، وجدت عندكم الضيق ، وسوء الرأي ، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة ، أين صاحب صدقاتكم ؟ فقد أمر لي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذتها فتصدقت ، وأكلت ما بقي أنا وأهلي .


[ ص: 393 ] 1959 - حدثنا الربيع المرادي ، قال حدثنا مطرف بن عبد الله المدني ، قال حدثنا الزنجي بن خالد ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رجلا تظاهر من امرأته في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أصابها قبل أن يكفر ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حملك على ذلك ؟ . قال : أصلحك الله يا رسول الله ، رأيت بياض ما فيها في القمر ، فرغبت فأصبتها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاعتزلها حتى تفعل ما أمرك الله .

ففي هذه الآثار ذكر السبب الذي نزلت هذه الآية فيه ، وفيها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة المتظاهر بعد نزولها بمثل الذي كان أمر به أوس بن صامت قبل نزولها غير أنه قد روي عن ابن المسيب أنه كان نزولها في تظاهر سلمة وفي إصابته امرأته التي كان تظاهر منها ، قبل الكفارة الواجبة عليه .

1960 - كما حدثنا محمد بن خزيمة ، قال حدثنا حجاج ، قال أخبرنا حماد بن سلمة ، قال أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب ، أن سلمة بن صخر جعل امرأته عليه كظهر أمه في رمضان ، فلما كان ذات ليلة أعجبته فوقع بها ، فأنزل الله عز وجل كفارة الظهار .

وهذا عندنا - والله أعلم - محال ، والصحيح أن تظاهر سلمة من امرأته كان بعد نزول الآية ، لا قبل ذلك ، لأن حكم الظهار كان قبل نزول هذه الآية لم يكن الحكم المذكور فيها ، وإنما كان التحريم فيها للزوجة المظاهر منها كتحريمها بالطلاق ، ولأن الظهار كان قبل نزول هذه الآية طلاق أهل الجاهلية ، وطلاق الناس بعد ذلك في الإسلام حتى أنزل الله عز وجل هذه الآية ينسخ ذلك ، ورد حكم الظهار إلى ما أمر به أوس على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومحال أن يكون سلمة مع صحبته لرسول الله صلى الله عليه [ ص: 394 ] وسلم تظاهر وقتا معلوما ، والظهار طلاق ، إذ كان الطلاق لا تحصره الأوقات في قول أحد من أهل العلم ، ألا ترى أن رجلا لو جعل امرأته طالقا اليوم ، إنها تكون طالقا فيما بعد اليوم وسلمة فإنما كان ظاهر من امرأته شهر رمضان فتكون حراما عليه في ذلك الشهر خاصة ، لا فيما بعده ، ففي قصده إلى ذلك ما دل على أن الظهار كان حينئذ غير الطلاق ، ولم يكن الطلاق قط غير الظهار حتى نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية ، فثبت بما وصفها أن نزولها كان قبل تظاهر سلمة الذي ذكرنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية