أحكام القرآن الكريم للطحاوي

الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

صفحة جزء
ولما ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن حديث ابن عمر أن نزول هذه الآية التي تلونا في هذا المعنى دل ذلك على أن المسافر المصلي للتطوع على راحلته خارج من المخاطبين في تلك الصلاة ، لقول الله - عز وجل - : ( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) ، ولم يبين لنا في شيء من هذه الآثار التفرقة في الإيماء بالركوع والسجود ، ولكنا وجدناه في غيرها ، وذلك أن عبيد بن محمد :

264 - حدثنا ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي ، قال : حدثنا الحارث بن عمير ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع " .

وهكذا ينبغي للمومئ في هذه الصلاة وفي غيرها من الصلوات التي فرضه فيها الإيماء أن يجعل الإيماء للركوع دون الإيماء للسجود ، ليتبين البدل من كل واحد منهما من البدل من صاحبه ، وفي ذلك دليل أن القعود الذي يكون في الصلاة بدلا من القيام فيها بخلاف القعود الذي هو القعود للتشهد ، فيكون القعود البدل من القيام تربعا ، ويكون القعود للتشهد على ما عليه القعود للتشهد ، وهكذا كان أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، يقولون في هذا وأما زفر بن الهذيل فكان عنده أن القعود البدل من القيام كهيئة القعود للتشهد سواء ، والقول في ذلك عندنا القول الأول . وقد روي ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما :

265 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثني هارون بن عبد الله يعني : الحمال ، قال : حدثنا أبو داود الحفري ، عن حفص ، عن حميد ، عن عبد الله بن شقيق ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : " رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي متربعا " .

قال لنا أحمد بن شعيب : لا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن حفص غير أبي داود [ ص: 164 ] .

266 - وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ، قال : حدثنا هارون بن عبد الله الحمال ، قال : حدثنا أبو داود الحفري ، عن حفص ، قال إسحاق : وهو ابن غياث ، عن حميد ، قال إسحاق وهو الطويل ، عن عبد الله بن شقيق ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : " رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي متربعا " .

قال أبو جعفر : وقد روي ذلك أيضا عن أم سلمة ، وعن أم الدرداء من أفعالهما كما :

267 - حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، قال : حدثنا عباد بن عباد المهلبي ، عن عاصم ، وهشام بن حسان ، عن الحسن ، عن أمه : أنها " رأت أم سلمة رضي الله عنها تصلي متربعة من رمد كان بها " .

268 - حدثنا فهد ، قال : حدثنا المعلى بن الوليد القعقاعي ، قال : حدثنا هانئ بن عبد الرحمن ، قال : قال إبراهيم بن أبي عيلة : " رأيت أم الدرداء تصلي متربعة " .

وقد روي عن ابن مسعود في ذلك ما يدل على أن مذهبه فيه كان خلاف التربيع .

269 - حدثنا سليمان بن شعيب ، قال : حدثنا الخصيب بن ناصح ، قال : حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي ، عن حصين ، عن الهيثم بن شهاب ، قال : قال عبد الله : " لأن أجلس على رضفين أحب إلي من أن أتربع في الصلاة " .

واختلف أهل العلم في هذه الصلاة على الراحلة بالإيماء للمسافرين في الأمصار ، فكان أبو حنيفة رحمه الله ، يقول : ليس لهم أن يصلوها كذلك إلا في البوادي .

وقال أبو يوسف : لهم أن يصلوا كذلك في البوادي والأمصار جميعا ، وقال :

270 - حديث أخبرنا حذيفة ، أن يحيى بن سعيد حدثني ، أنه رأى أنس بن مالك " يصلي على راحلته في بعض سكك المدينة " لما سمعت منه هذا القول في ذلك عندما قال [ ص: 165 ] أبو يوسف وما رواه عن أنس بن مالك فيه : لأن دخول المسافرين الأمصار لا يخرجهم من السفر . ألا ترى أنهم يقصرون الصلاة في الأمصار كهم في قصرها في البوادي ، كانوا في سائر ما يفعلون فيها في الأمصار كهم فيما يفعلون فيها في البوادي .

التالي السابق


الخدمات العلمية